أكثر ما يُحتفى بالكتاب، عبر قراءته. ومع انقضاء الصفحات وعبور السنوات، تعيش الكتب في ذهن القارئ، في ذاكرته، من خلال ما يبقى من أثر القراءة. مع الزمن، تُنسى تفاصيل رواية ما، وأسماء شخصياتها، وحتى قصّتها، إلا أنَّ ما يبقى هو تأثير القراءة في حينها، شعور القارئ إزاء الكتاب، وتجربته معه. ويمكن لاستعارة رومانسيّة أن تخبرنا بأنَّ ما يبقى مِن تجربة قراءة رواية، بعد أن يطوي النسيان تفاصيلها، هو ذكراها. بعد حين، يتحوّل الكتاب إلى تذكارٍ من أيام سابقة.
هذا من جانب القارئ. أما بالنسبة إلى الكُتَّاب، فإن أثر القراءة يظهر في الكتابة نفسها، ويصعب أن نجد كاتباً كبيراً ما لم يكن قارئاً كبيراً. حتى إنَّ هذا المذهب في استقبال الروائيين للكُتب، وأثر القراءة في كتاباتهم، يتمثّل على أبلغ وجه في رواية وليم فوكنر "الصخب والعنف"، ومن خلال تقديم النّقاد لها بوصفها "رواية الروائيين"، أي إنَّ الروائي الذي يمرُّ بها، قارئاً، ستتركُ آثارها في نصّه.
الكتب بذاتها جديرة بالاحتفاء، باعتبارها تجارب قراءة مفردة، ويمكن تحديد تأثيرها وطبيعته في أكثر من جانب. وفي سياق الاحتفاء بالكتب، أصدرت دار "بلانيتا" في إسبانيا طبعة تذكارية من رواية الكاتب الإسباني كارلوس زافون "ظل الريح"، بمناسبة مرور خمسة وعشرين عاماً على صدورها للمرة الأولى، وذلك لانتشارها في العالم، وقد باعت الرواية أكثر من خمسة وعشرين مليون نسخة، وتُرجمت إلى أكثر من ثلاثين لغة منذ صدورها عام 2001. مع أنَّ نجاح زافون لا يخلو من اعتراضات نقدية، إذ إن بعض حلول الحبكة لديه تقوم على اعترافات متلاحقة، أكثر مما تقوم على البناء الروائي.
بعد سنوات القراءة، يتحوّل الكتاب إلى تذكارٍ من أيام سابقة
لكن في العربية، يحدث الاحتفاء بالكتب غالباً، عبر احتفاء آخر، وهو الاحتفاء بتجربة الكاتب ككل، ومن خلال طباعة الأعمال الكاملة. وهذا تقليد شائع، خصوصاً في هيئات النشر الحكومي في معظم البلدان العربية، إذ كثيراً ما طبعت أعمال كاملة لكتّاب كان لهم اعتبار التأسيس في فنونهم، أو الريادة فيها. مع أنَّ ثمّة مشاريع أدبية تتلخّص في كتاب واحد. وفي ذاكرة الرواية العربية، توجد روايات لها اعتباراتها كتجربة قراءة مفردة، وربما تساهم إعادة طباعتها في تذكير القارئ بها، أو حتى الاحتفاء بها في طبعات تذكارية، بمعزل عن فكرة الأعمال الكاملة، التي تعطي انطباعاً أقرب إلى توضيب التجربة في رفّ مستقل داخل المكتبة المنزلية.
ومن الروايات التي سُرعان ما تحضر، لاعتبارات تأثير القراءة، ولأهميتها في ضمن التجربة السردية العربية، يخطر للقارئ روايات منها: "الوباء" لهاني الراهب، و"باب الشمس" لإلياس خوري، و"الزيني بركات" لجمال الغيطاني، و"البحث عن وليد مسعود" لجبرا إبراهيم جبرا، و"قصر المطر" لممدوح عزّام. تطول قائمة النصوص العربية الفارقة في زمنها، ولديها ما تدافع به عن أثرها في ذاكرة القارئ، وإن كان الاحتفاء بها أصبح مقتصراً على الكتابة النقدية الأكاديمية، إلا أن خطوة مثل التي حدثت مع "ظل الريح"، يمكن أن تحمل تذكاراً اعتبارياً، لإعادة القراءة، والوقوف على الأثر والتجربة.