بوعلام صنصال... حين يعجز المال عن صناعة "الأسطورة"

02 سبتمبر 2026   |  آخر تحديث: 07:12 (توقيت القدس)
صنصال يلقي خطاباً خلال تجمع لدعم رئيس حزب "الجمهوريون" اليميني، باريس، 2026 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- توقعات النجاح: كتاب "الأسطورة" لبوعلام صنصال كان متوقعاً أن يكون حدثاً أدبياً كبيراً في فرنسا، مع مليون يورو مقدماً و150 ألف نسخة مطبوعة، لكن بعد ثلاثة أشهر، بيعت 50 ألف نسخة فقط، مما جعله بعيداً عن النجاح المتوقع.

- الإخفاق التجاري: رغم وصف المبيعات بأنها "مرضية"، لم تغطِ التكاليف الكبيرة، بما في ذلك المبلغ المدفوع للكاتب والحملة الإعلانية، مما يعكس إخفاقاً في تحقيق النجاح المالي المطلوب.

- الجدل الإعلامي والسياسي: تزامن إصدار الكتاب مع جدل إعلامي حول صنصال بعد سجنه في الجزائر، حيث استغل الاهتمام للترويج لكتابه الذي يعكس توجهاته السياسية المثيرة للجدل.

كان يُراد لكتاب بوعلام صنصال "الأسطورة" (منشورات غراسيه، باريس، 2026)، أن يصبح حدثاً أدبياً في فرنسا. فقد دفعت "غراسيه" للكاتب الجزائري الفرنسي مليون يورو مقدماً على حقوقه، وطبعت 150 ألف نسخة من الكتاب، وأعدّت له حملة ترويج واسعة قدّرت أسبوعية لو كانار أونشينيه كلفتها بنحو نصف مليون يورو. وكانت الدار، التي تعود ملكيتها إلى الملياردير المقرب من اليمين المتطرف فانسان بولوريه، تبني رهانها هذا على ما بدا لها نجاحاً مضموناً. إذ كان صنصال قد عاد للتو إلى فرنسا بعدما أمضى نحو عام في السجن بالجزائر، في قضية شغلت الإعلام والعديد من السياسيين الفرنسيين. وسرعان ما حوّل الكاتب، البالغ من العمر 77 عاماً، تجربته إلى كتاب قال إنه أنجزه "في أربعين يوماً"، لكن ما بيع من "الأسطورة" في فرنسا، بعد ثلاثة أشهر على صدوره، لم يزد، وفق ما يكشفه مدير مبيعات "غراسيه" جان مارك لوفان لـ"العربي الجديد"، على 50 ألف نسخة تقريباً، أي ثلث الطبعة الأولى.

وبهذه الحصيلة، بقي العمل بعيداً عن صورة "الأسطورة" التي رسمتها له "غراسيه"، ومن ورائها مجموعة هاشيت المالكة لها. فالدار لم تطبع 150 ألف نسخة ليبقى ثلثاها في المستودعات، بل كانت تعوّل على مبيعات استثنائية، من ذلك النوع الذي تحققه كتب النجوم والرؤساء. غير أنها لم تجد لدى القراء الفرنسيين الحماسة التي كانت تتوقعها. بل إن ما حققه "الأسطورة" لا يبلغ إلا نصف ما حققته رواية المؤلف "2084: نهاية العالم" خلال الشهرين التاليين لصدورها في أغسطس/ آب 2015، حين قاربت مبيعاتها 100 ألف نسخة، قبل أن تتجاوز 400 ألف نسخة، مستفيدةً من شعبية موضوعها بين قراء اليمين واليمين المتطرف في فرنسا: الإسلام.

ورغم هذه الهوة بين ما خُطط له والنتيجة، يصرّ لوفان على الدفاع عن حصيلة "الأسطورة"، واصفاً إياها بأنها "مرضية جداً بالنظر إلى سوق الكتاب"، ويضيف أن عمل صنصال يبقى "في صدارة" مبيعات "غراسيه" هذا العام، وأن المرتجعات جزء مألوف من عمل دور النشر، كما يشير إلى أن احتساب مبيعات بلدان فيها قراء فرنكفونيون، مثل بلجيكا وسويسرا، يرفع الرقم إلى نحو 60 ألف نسخة. لكن ضم هاتَين السوقَين لا يُخرج الكتاب ودار النشر من دائرة الخسارة. فمجمل النسخ المباعة، على أساس قدره 22 يورو للواحدة منها، لا يعوّض أصلاً ما دُفع للكاتب وللحملة الإعلانية. فضلاً عن أن هذا المبلغ لا يعود كاملاً إلى الدار، إذ تحصل المكتبات وكذلك الموزعون على حصص منه، فيما يتحمل الناشر تكاليف إضافية على الطباعة والنسخ المعادة. ويعني هذا، في أحد المعاني، أن الإخفاق مضاعف: فالكتاب لم يفشل فحسب بالتحول إلى ظاهرة استثنائية، بل لم يستطع حتى تغطية ما أُنفق عليه.

مجمل النسخ المباعة لا يعوّض ما دُفع للكاتب وللحملة الإعلانية

يبدو هذا الإخفاق أكثر مرارة بالنظر إلى حضور صنصال الكبير في الإعلام الفرنسي، الذي بدأ مع إيقافه وسجنه، واتسع بشكل ملحوظ بعد الإفراج عنه. فقد أوقفته السلطات الجزائرية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2024 لدى وصوله إلى مطار الجزائر، على خلفية مقابلة مع منصة فرونتيير اليمينية المتطرفة، قال فيها إنّ مناطق من غرب الجزائر كانت مغربية، وإن الاستعمار الفرنسي ألحقها بالجزائر. وحُكم عليه في مارس/ آذار 2025 بالسجن خمس سنوات بتهمة المساس بالوحدة الوطنية، قبل أن يعفو عنه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي. وما إن عاد إلى فرنسا حتى راح يتنقل بين قنوات وصحف وإذاعات اليمين واليمين المتطرف، ولا سيّما تلك التي يملكها بولوريه، والتي تابعت قضية سجنه ثم احتفت به عند الإفراج عنه. وفي يوم صدور "الأسطورة"، في الثاني من يونيو/ حزيران الماضي، خصصت قناة سي نيوز، التابعة لبولوريه التي باتت من أبرز منابر اليمين المتطرف، يوماً كاملاً من برامجها لصنصال، استضافت خلاله الكاتب وعدداً من الشخصيات التي جاءت للحديث عنه، وفي مقدمتها وزير الداخلية السابق برونو روتايو، كما عرضت وثائقياً يروي سيرته.

ولا يحيد "الأسطورة" عن هذا التوجه، إذ يصف الكاتبُ الجيش الإسرائيلي بأنه "لا يُقهر"، ويضع إسرائيل، إلى جانب فرنسا والمغرب، في مواجهة "حرب شاملة" يرى أن السلطة الجزائرية "تحوكها" ضدها. ولا تتوقف مخيلة صنصال هنا، بل تمتد إلى الصورة التي يصنعها لنفسه. فهو يرى أن قضيته باتت "قضية القرن"، وأن تعامل السلطات الجزائرية معه وكأنه "لا شيء" وضعه في عداد "الظواهر النادرة المدعوة إلى إعلان أزمنة جديدة"، ذاهباً إلى حد وصف نفسه بأنه "شبه نبي".

وجاء هذا الاحتفاء بصنصال تتويجاً لتقارب مستمر منذ سنوات مع اليمين المتطرف الفرنسي وأفكاره ومنابره وشخصياته. وتلتقي مواقف الطرفَين في خطاب يتركز بصورة أساسية على "خطر" الإسلام والهجرة، فيما يقدّر اليمين المتطرف بصورة خاصة هجوم صنصال على الثقافة التي جاء منها، إلى جانب دفاعه الشرس عن إسرائيل.