المقدّس في الحياة اليومية: ما الذي خسرته دمشق حين اختُزلت؟

05 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 06:03 (توقيت القدس)
المسجد الأموي في عيد الأضحى، 6 يونيو 2025 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- مدينة لوثر فيتنبيرغ: تقع في ألمانيا وتحمل اسم المصلح مارتن لوثر، وتعتبر رمزاً تاريخياً ودينياً مهماً في أوروبا. تحتوي على أربعة مواقع ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي، وتجذب آلاف الزوار سنوياً بفضل مزاراتها وفعالياتها الثقافية.

- دمشق: تتميز بتراكم مستويات كثيفة من المعاني الدينية والتاريخية والثقافية. تتداخل فيها ذاكرات إسلامية ومسيحية ويهودية، مما يجعلها مسرحاً دائماً لحضور الماضي في الحياة اليومية، كما يتجلى في معالمها مثل الجامع الأموي.

- الجامع الأموي: يُعتبر مثالاً على تجاوز المقدس للحدود الدينية ليصبح تجربة مكانية تمسّ أجساداً وأرواحاً متنوعة. يجمع بين الدعاء والسكينة والذاكرة، ويظل مفتوحاً للجميع لتقديم تجربة روحانية تتجاوز الوظيفة المكانية التقليدية.

أعيش جوار مارتن لوثر، وأشعر أنني أمشي بمحاذاة التاريخ كل يوم. أمرّ بقبره، وبكنيسته، وبوصاياه المحفورة على الباب حيث عُلّقت أول مرة. في هذه المدينة الصغيرة التي لا تتجاوز مساحتها 241 كيلومتراً مربعاً، ويحمل اسمها الرسمي Lutherstadt Wittenberg معنى "مدينة لوثر فيتنبيرغ". يبدو أن كل حجر وكل زاوية يحمل تذكيراً لا يمكنك تجاهله بأهمية المدينة ودورها الرمزي في التاريخ الديني والسياسي الأوروبي، ففيها أربعة مواقع مدرجة على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، بالإضافة للعديد من المزارات والفعاليات الثقافية والمهرجانات التي تستقطب آلاف الزوار سنوياً.

أندهش كيف أمكن لمدينة بهذا الحجم أن تحمل كل هذا المعنى، حتى لغير المؤمنين، أو لمن لا ينتمون إلى تقليدها الديني! وهل كانت سياسات ثقافية مختلفة لتجعلها بلدةً منسية أو مجرد مزارٍ ديني؟ يعيدني هذا السؤال إلى دمشق، إلى ما خسرناه حين تجرأنا على اختزالها، بكل ما تحمله من معانٍ مختلفة ومتراكمة، في ألقاب جاهزة وبسيطة!

فضاء، طقس، معنى   

بحسب ميشيل دو سيرتو يكون المكان هو البيئة المادية ببساطة، أما الفضاء فهو حصيلة ممارسات الناس في تملّك المكان، [فالفضاء، إذن] "مكان مُمارَس". والمدن إذ تضم أماكن حضرية كثيرة فإنها تضم فضاءات لا متناهية، تصوغها يوماً بعد يوم الحركة، الطقوس، والممارسات والأنشطة الاجتماعية. وحين ترتبط هذه الطقوس أو الممارسات بمقدّس ما، فإنها تعطي بعض البيئات المبنية معنى رمزياً يميزها عن بيئات أخرى قد تكون مشابهة لها ظاهرياً.

يشرح آموس رابوبورت هذا من خلال نموذجه الخاص بـ "مستويات المعنى" في البيئة المبنية، محدداً ثلاثة مستويات أساسية: معنى عالي المستوى، يرتبط بالرموز الكونية والماورائية المشفّرة في المباني وتخطيطات المدن، ومعنى متوسط يشير إلى الرسائل المقصودة المتعلقة بالهوية والمكانة، والتي ينقلها مصممو المباني والمدن ومنشئوها، ومعنى منخفض يصف الطرق التي توجه بها البيئة المبنية السلوك والحركة، وتتفاعل معهما بصورة متبادلة ومتكررة. بهذا يكون المعنى عالي المستوى الرمزي أو الروحاني، أحد أهم مفاتيح الإحساس بأهمية وروح مكان ما.

كيف أمكن لمدينة أن تحمل معنى روحانياً حتى لغير المؤمنين؟

وإن كان الروحاني لا ينحصر في الديني، حتى وإن أُدرج غالباً تحته، فإنه يمتد إلى ما هو أبعد بكثير من فضاءات الدين. فكل فضاء ديني يحمل شيئاً من الروحانية، لكن ليست كل تجربة روحانية متعلقة بالدين أو بالممارسات الشعائرية. يمكن الوقوف عند تقاطعات الروحاني مع الديني لكونها الأوضح والأسهل للملاحظة، ونتتبع أحد عوامل المعنى المقدس لمدينة مثل دمشق، وانعكاسات وجود أو غياب هذا المعنى على الإدراك الشعبي والحياة اليومية.

ميتافيزيقا دمشق

تتراكم في مدينة دمشق مستويات كثيفة من المعنى: دينية وروحية وتاريخية وثقافية وفنية ويومية وسياسية في آن. وهذه المستويات المختلفة ليست مستقلة أو متنافية، ففي معظم الحالات تحمل المدن والمباني معاني على مستويين أو ثلاثة وقد لا تكون كلها مرئية للعين المجردة، كما يختلف تأويلها من فرد إلى آخر.

بعض جوانب هذا المعنى أكثر وضوحاً وجماعية من غيرها في دمشق مثل المعنى التاريخي، وإدراكه يجعل تجربة المشي فيها تتحول إلى عبور فوق طبقات متراكمة من التاريخ، متجاورة ومطوية داخل بعضها: من طبقات ما قبل التاريخ والآراميين، إلى الآشوريين والبابليين والفرس، ثم اليوناني والروماني والبيزنطي، وصولاً إلى الإسلامي والأموي والأيوبي والمملوكي والعثماني وحتى الدولة الحديثة. وكأن هذه المسافة الثقافية المحسوسة، زماناً ومكاناً، التي تفصلنا عن طبقاتها القديمة، تمنحها نوعاً من السلطة الرمزية والمادية معاً، وتجعلها مسرحاً دائماً لحضور الماضي داخل الحياة اليومية.

أما المقدّس بمعناه الديني والروحي، فيظهر في دمشق نسيجاً متعدداً لا يستقر في تقليد واحد. فمن الجوامع والتكايا والمقامات، مثل الجامع الأموي، جامع تنكز، والتكية السليمانية، ومقامات الصالحين وآل البيت، إلى باب توما وكنائس دمشق وبيت حنانيا وكنيسة القديس بولس، وصولاً إلى حارة اليهود وقبر حاييم فيتال، تتجاور في المدينة ذاكرات إسلامية ومسيحية ويهودية، كمسارات وفضاءات متداخلة في المكان نفسه. وفيها تتجاور أيضاً طرق مختلفة لفهم الله والعالم والإنسان: التصوف والفقه، التأويل والصرامة، المقام والمدرسة، من ابن عربي إلى ابن تيمية، ومن ابن عساكر وابن كثير إلى الذهبي وابن عابدين. إذ تمنح قراءات الأفراد المختلفة لهذا التنوع معنى روحياً جدلياً ومركباً، وتجعل الفضاء الدمشقي، لمن يدرك طبقاته، فضاءً ميتافيزيقياً بقدر ما هو مادي، ويغدو العبور فيه مساراً على امتداد الأديان والتاريخ.

ومع ذلك، تعرّض هذا المعنى وكل طبقات المعنى الأخرى للاختزال مراراً: مرة في لقب "أقدم عاصمة"، مرة في صورتها الأموية، مرة في سردية السلطة، ومرة في ذاكرة الحرب. ولا ينتقص هذا الاستدعاء من أهمية أي سردية أو طبقة من طبقات المدينة، كما أنه لا يدعو إلى تقديس دمشق أو تحويلها إلى متحف للذاكرة، ولا إلى تكرار الخطابات الجوفاء مثل "الكنيسة تعانق الجامع" أو "الفسيفساء السورية". وإنما ينطلق من رغبة حقيقية في أن نعيد للمدينة معنى تحمله أصلاً، معنى يتجاوز الديني والتاريخي والطقسي إلى الروحاني. الروحاني حتى في أبسط الأنشطة وأكثرها روتينية، وأن نبحث كيفية إعادة هذه الأفكار من الكتب والخطابات إلى أرض الواقع والحياة اليومية. وهنا ليست هناك حاجة للعودة إلى تجربة فيتنبيرغ بحثاً عن إجابات، لأن واحداً من أكثر النماذج كثافة وتميزاً موجود في قلب دمشق نفسها: الجامع الأموي في المدينة القديمة.

الجامع الأموي: المقدّس اليومي

يشرح دولوز أن المبنى ليس فضاءً واحداً أو موقعاً واحداً، بل هو فضاءات متعددة مطوية داخل مواقع متعددة. وهذا بالنسبة إليه، جوهر العمارة: تعددية يُعاد فيها دائماً قراءة كل شيء وإعادة تأويله، من دون أن يكون من الممكن استيعابه بكليته. ومن هنا يمكننا قراءة المسجد الأموي في دمشق الذي يكثف هذه التعددية كلها إذ شُيّد على موقع مقدّس تعاقبت عليه طبقات دينية متتالية، من معبد آرامي قديم، إلى معبد جوبيتر الروماني، ثم كنيسة بيزنطية كانت مكرّسة ليوحنا المعمدان، وصولاً إلى الجامع الذي شيّده الخليفة الوليد بن عبد الملك. المميز أن هذه الطبقات لم تمحُ بعضها بعضاً، إذ لا تزال أعمدة مدخل معبد جوبيتر ظاهرة في الموقع نفسه وفيه أيضاً يوجد مقام يُنسب إلى رأس يوحنا المعمدان/النبي يحيى.

يتجاوز المقدس حدود الصفة الدينية، ليغدو تجربة مكانية

على الرغم من كل هذه الكثافة، لم ينغلق الجامع الأموي على نفسه، ولم يتحول إلى مزار ديني بالمعنى التقليدي، بل ظل حاضراً في اليومي المعاش لسكان المدينة وعابريها. يأتيه المصلّي والسائح والعابر، الباحث عن السكينة، والباحث عن راحة بعد تعب السوق أو العمل. يأتيه من يعرف تاريخه، ومن لا يعرف سوى أنه وجد ظلاً واسعاً. يدخله المؤمن بوصفه فضاء دينياً، ويدخله غير المؤمن بوصفه فضاءً للسكينة، ومكاناً نادراً يستطيع فيه الجسد أن يهدأ بلا مطالبة بالتفسير أو الفهم. في صحنه يلتقي الدعاء بالانتظار، والصورة السياحية بالذاكرة. ويتجاوز فيه المقدس حدود الصفة الدينية، ليغدو تجربة مكانية تمسّ أجساداً مختلفة وأرواحاً متنوعة. بالطبع لم يكن غياب هذه المعاني عن إدراك الزائر ليقلل من أهمية البناء كمسجد ومكان عبادة، ولكن من المؤكد أن وجودها أعطاه من المعنى ما يفوق بكثير أي وظيفة مكانيّة.

ينطبق هذا المنظور على المدينة نفسها. فلا يُنقص من قيمة دمشق وأهميتها أن تُقرأ بوصفها "أقدم عاصمة مأهولة" أو "عاصمة" هذه السلطة أو تلك، ولكن أيّ طيف واسع من القداسة والروحانية فقدته المدينة بهذا الاختزال؟! وهل يمكن لمدينة مثلها أن تحمل سرديةً واحدة ومستوىً واحداً من المعنى؟!