الجسد الأنثوي: أرشيف الألم وأرشيف الرغبة

24 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 25 فبراير 2026 - 07:32 (توقيت القدس)
امرأة سورية كردية أمام منزل في مخيم دوميز للاجئين، مدينة دهوك بالعراق (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- تستكشف وداد نبي في "متحف الرغبة" الجسد كأرشيف للرغبة والنجاة، متحدية الصور النمطية عن الذبول، مستندة إلى أطروحة سيمون دو بوفوار حول قمع الجسد الأنثوي.

- تتقاطع تجربة نبي مع شاعرات مثل ماهتم شيفراو وتوي ديريكوت، حيث يُستخدم الجسد كرمز للحرية ومقاومة العنف، كما فعلت إنغيبورغ باخمان وآنا أخماتوفا.

- في زمن الحرب، تصبح الكتابة عن الجسد وسيلة للنجاة والشهادة، كما في "خوخ دونباس" و"الأكسجين ليس للموتى"، مؤكدة على هشاشة الأجساد وقدرتها على الصمود.

تحوّل الشاعرة السورية وداد نبي الجسد إلى أرشيف شخصي للرغبة والحيوية، خاصة عند دخولها سن الأربعين، فتسجل في مجموعتها الشعرية "متحف الرغبة" (دار خان الجنوب، 2025): "شعرت أنني أكتشف جسدي ورغباته بطريقة مختلفة...". هذا النضج يقاوم الصور النمطية عن الذبول، مستنداً إلى أطروحة سيمون دو بوفوار في "الجنس الآخر" بأن الجسد الأنثوي يُقمع عبر التربية والأعراف.

يمكننا الذهاب إلى تساؤل مشروع ومنطقي إلى حد كبير: كيف استطاعت وداد، ابنة الكارثة السورية، أن تكتب عن الحب، الرغبة، الجسد، الاشتياق، المتعة...؟ ويفتح هذا السؤال باباً كبيراً حول الكتابة عن الجسد لدى النساء، إذ تُعد هذه الكتابة فعلاً تحررياً يعيد صياغة الذات بعيداً عن السيطرة الذكورية والأعراف الاجتماعية.

تتقاطع هذه التجربة مع تجارب شاعرات أخريات مثل الإثيوبية-الإريترية ماهتم شيفراو في مجموعتها "جسدك حرب"، التي تستكشف جسم المرأة بوصفه موقعاً للصراع بعد الإساءة والعنف، ويصبح الجسد رمزاً للنجاة والحرية، مشددة على قوة الجسد في مواجهة الإرث الموروث من الألم. أما الأميركية توي ديريكوت في "أنا: قصائد جديدة ومختارة"، فتربط الجسد بالذاكرة الحسية والصدمات العائلية، مثل العنف الأبوي والتحرش. وكأن الكتابة أداة لكسر الصمت حول الآلام الناتجة من العنصرية والقمع. وترى النمساوية إنغيبورغ باخمان الجسد مساحة لتحطيم لغة الذكورة العسكرية في أوروبا ما بعد الفاشية. مقابل الروسية آنا أخماتوفا التي كتبت عن الجسد بشكل صريح في زمن الحرب، محولة العاطفة إلى مقاومة لقمع السلطة.


النجاة من خلال الإبداع

تأخذنا قراءة "متحف الرغبة" صوب سؤال أكثر تعقيداً: هل نستطيع النجاة عبر الإبداع؟ لدى وداد نبي، تظهر الحرب ظلاً على كل نص، حتى عن الحب: "حتى حين كتبت عن الحب، كان الحب جريحاً كناجٍ من القنابل". لكن وداد ليست الوحيدة التي تكتب في ظل الحرب. هناك الأوكرانية ليوبا ياكيمشوك في "خوخ دونباس" التي تصور تفكك المدن مثل تفكك الجسد تحت القصف، كما في "التحلل": "لا تكلمني عن لوهانسك/ إنها تحولت منذ زمن إلى هانسك/ لو تم تدميرها إلى الأرض/ إلى الرصيف الأحمر"، مستلهمة الفوتوريزم الأوكراني لإعادة البناء من الخراب.

تصبح الكتابة عن الجسد حالة مركّبة تجمع الرغبة والعنف
 

يمكننا مقارنة هذه التجارب بما كتب باول تسيلان عن الجسد خافتاً في ظل الإبادة النازية، واليوناني يانيس ريتسوس الذي رأى الجسد آخر ملاذ غير مصادر. أما محمود درويش في "سرير الغريبة"، فيجعل الإيروتيكية مقاومة في المنفى. 

في السياقات النسائية أيضاً، نجد البريطانية فيرا بريتان في "شهادة الشباب" وهي توثق الجسد حين كانت ممرضة في الحرب العالمية الأولى، مشددة على الدمار النفسي والجسدي. وكذلك الأيرلندية وينيفريد ماري ليتس التي عملت معالجة فيزيائية في الحرب نفسها، فتركز على الحزن والفقدان كما في قصائدها عن الجنود الجرحى والموتى.

في زمن الحرب، تصبح الكتابة عن الجسد حالة مركبة تجمع الرغبة والعنف. ويتحول الجسد إلى مساحة نجاة في "متحف الرغبة"، كما في نصّ "توهج": "بين ذراعيك، توهجتُ... كما لو أنني بلاد قُصفت بالقنابل الفسفورية".

في سياق الحروب الراهنة تتجلى هذه الرؤية الشعرية، فالجسد هو المكان الذي يُدمَّر ويُقصف ويُمزَّق، لكنه في الوقت ذاته هو المكان الوحيد المتبقي الذي يستطيع الشاعر/ة من خلاله أن يقاوم، يشهد، يحفظ الذاكرة، ويؤكد أننا ما زلنا أحياء، يظهر هذا بشكل أكثر حدة وعمقاً عند شاعرات وكاتبات يواجهن الإبادة المباشرة ويحولن الجسد إلى موقع للصدمة والشهادة والنجاة. 

على سبيل المثال، الروائية والشاعرة هبة أبو ندى، التي استشهدت في قصف إسرائيلي في غزة عام 2023، كتبت روايتها "الأكسجين ليس للموتى" وشعراً يعكس الواقع اليومي للحياة تحت الحصار، محولة الكتابة إلى صوت للضحايا، مع تركيز على هشاشة الأجساد أمام القذائف. كذلك الشاعرة أسماء عزايزة، الشاعرة الفلسطينية المقيمة في حيفا، فتكتب في مجموعتها "لا تصدقوني إن حدثتكم عن الحرب" عن الجسد بما هو رمز للصدمة الجماعية والتروما الموروثة، حتى خارج الحرب المباشرة، كما في سطورها: "أبقر بطن الكلام فيستفيق ضحايا الهاراكيري، جميعهم، ويبقرون بطني"، رابطة الجسد بالدم والقبور في سياق الحرب الدائمة.