استرداد الآثار من الغرب.. لا يسقط بـ"التقادم الاستعماري"
- تشهد أوروبا تحركات لاستعادة الممتلكات الاستعمارية، مثل إعلان ألمانيا عن إنشاء مجلس تنسيق، لكن هذه الجهود تواجه تحديات مؤسسية وثقافية وتبايناً سياسياً، كما في إعادة برونزيات بنين إلى نيجيريا.
- رغم استعادة مصر لآلاف القطع الأثرية، تظل المتاحف الكبرى تحتفظ بالنصيب الأكبر، وتواجه المطالبات العربية رفضاً بسبب اعتبارات قانونية وتاريخية، مما يبرز التحديات المستمرة.
تُطرَح مسألة استرداد الآثار العربية من المتاحف الغربية ضمن إشكالية تاريخية وسيادية معقّدة، تتداخل فيها رواسب الاستعمار من جهة، وضُعف الأطر القانونية المحلّية من أُخرى. في هذا السياق، يجدر التذكير بمحاولة مصر الناجحة، عام 2019، في استعادة تابوت "نجم عنخ" من متحف المتروبوليتان في نيويورك. حادثةٌ تبقى لها اعتباريّتها، وإن وقعت في سياق جنائي ومكافحة التهريب، وكان من المفترض أن تُفعِّل مساراً عربياً أوسع، لكنها تحوّلت إلى حالة نادرة قد لا تتكرّر إلا بعد مُضيّ سنوات، حتى نكاد لا نعثر على نماذج أُخرى بذات المستوى.
وبطبيعة الحال، لا يقتصر التفكير في مسألة استرداد الآثار على الدول المسلوبة، التي تتحمّل طبعاً جزءاً من المسؤولية، بل يحضر أيضاً على الضفّة الأُخرى، حيث نشهد تحركات أوروبية راهنة، كإعلان ألمانيا، مؤخراً، عن نيتها إنشاء مجلس تنسيق لاستعادة "الممتلكات الاستعمارية" إلى بلدانها. التوجّه الذي يبدو جديداً، يجد صدى تاريخياً له بالفعل، كما تنبّه على ذلك الباحثة ومؤرّخة الفنّ الفرنسية بندكت سافوي في كتابها "1815: زمن العودة.. إعادة الأعمال الفنية في أوروبا بعد الإمبراطورية النابليونية" (لاديكوفيرت، 2026)، الذي تتناول فيه جدل استرداد الأعمال الفنية بعد سقوط إمبراطورية نابليون عام 1815، حين أُعيد العديد من القطع التي صادرتها فرنسا خلال حروبها.
اعتراف المستعمِر بما نهبه لا يعفي من ضرورة إصلاح متاحفنا
كذلك يمكن النظر إلى الخطوة الألمانية من زاويتين: أولاً، أنها تمثّل، إلى حدّ ما، اعترافاً بمسؤولية تاريخية، لعلّه يقابلها اعتراف ووعي مُماثلين بما تعانيه مؤسسات الدول المسلوبة من تخلّف وفساد، وضرورة إرساء إصلاحات مؤسساتية وثقافية فيها، بدلاً من رمي الفشل الإداري كلّه على تركة الاستعمار. تالياً، إن إنشاء مجالس تنسيقية، كما في الحالة الألمانية، قد يسهم في تنظيم العملية إدارياً، لكنّه لا يضمن تعميمها، خاصة في ظل تباين المواقف (السياسية) بين المؤسسات داخل الدولة الواحدة. وقد تجلّى هذا الطابع التدريجي في بعض الأمثلة العملية، مثل إعادة ألمانيا لأكثر من 1100 قطعة من برونزيات بنين إلى نيجيريا عام 2022، وإعادة قطع إلى ناميبيا لاحقاً، مقابل استمرار ملفات معلّقة أُخرى، مثل قضية تمثال "نجونسو" المرتبط بالكاميرون، والذي لم يُنفّذ وعدُ إعادته حتى الآن.
كما تُظهر لغة الأرقام حجم الفجوة بين الوعود والواقع؛ فبينما استعادت مصر نحو 29 ألف قطعة أثرية مهرّبة منذ عام 2011، لا تزال المتاحف الكبرى تحتفظ بالنصيب الأكبر من هذا الإرث. ففي ألمانيا وحدها، يضمّ متحف برلين المصري قرابة 80 ألف قطعة، وفي بريطانيا، يحوي المتحف البريطاني ما يقرب من 100 ألف قطعة أثرية مصرية، ومثل هذه المؤسسات البيروقراطية الكبيرة لا تشملها عمليات الاسترداد عادة، بحجّة أن مقتنياتها لم تُجمع في سياق جنائي راهن، أو كأن حق المطالبة بها سقط بالتقادم الاستعماري.
أمام هذا "الانفتاح" الأوروبي المحكوم بآليات مؤسسية وبيروقراطية، تبرز خصوصية الحالة العربية التي لا تزال تصطدم بعقبات في ملفات كبرى. فالمطالبات المصرية باستعادة قطع بارزة مثل رأس نفرتيتي من برلين أو حجر رشيد من المتحف البريطاني ما زالت تواجه رفضاً قائماً على اعتبارات قانونية وتاريخية تتعلق بطريقة دخول هذه القطع إلى المتاحف في سياقات سابقة بدأت مع بدء النشاط الاستعماري خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. في المقابل، أظهرت حالات محدودة أن الاسترداد ممكن فقط عندما يتعلق الأمر بقِطع ثبُت تهريبها حديثاً أو ضبطها ضمن عمليات غير قانونية.