أوروبا تُعيد الاعتبار لضحايا الاستعمار في الفضاء العام

10 ابريل 2026   |  آخر تحديث: 07:03 (توقيت القدس)
تمثال كريستوفر كولومبوس مطليّ بالأحمر احتجاجاً، لندن،2021 (Getty)
+ الخط -
اظهر الملخص
- يُظهر المؤرخ البلجيكي إيدِسبالد غوديري أن التعامل الأوروبي مع الماضي الاستعماري يتجاوز الاستحضار إلى إعادة تنظيمه في الفضاء العام عبر رموز قابلة لإعادة الترتيب.
- في بلجيكا، تُعاد تماثيل الملك ليوبولد الثاني مع إضافات تفسيرية محدودة، بينما تتجه هولندا إلى توزيع الذاكرة عبر نصب ومسارات تأويلية تتعلق بتاريخ العبودية.
- يبرز التباين بين النمطين البلجيكي والهولندي في كيفية التعامل مع الذاكرة الاستعمارية، حيث يُعاد إدخال العنف ضمن نظام تمثيلي يمكن التحكم فيه لصالح سرديات الاستعمار.

ُبيّن المؤرخ البلجيكي إيدِسبالد غوديري أن التعامل الأوروبي الراهن مع الماضي الاستعماري لا يكتفي باستحضاره، بل يتجه إلى إعادة تنظيمه داخل الفضاء العام، ضمن نظام من الرموز القابلة لإعادة الترتيب. ففي عدد من المدن البلجيكية، يُعاد تثبيت تماثيل الملك ليوبولد الثاني ضمن المشهد الحضري، مع إضافات تفسيرية محدودة لا تكافئ كتلتها الرمزية، فيما تنزع هولندا إلى توزيع الذاكرة عبر نُصب ومسارات تأويلية تتعلّق بتاريخ العبودية. 

هذا التباين في الوسائط لا يلغي اشتراكهما في وظيفة واحدة تقوم على نقل الاستعمار من كونه بنية تاريخية فاعلة إلى مادة تمثيلية تُدار داخل أفق الذاكرة. من هنا يفتح غوديري السؤال على مستوى آخر: ليس كيف نتذكّر، وإنما ماذا نصنع بآثار ما لم تنتهِ بعد؟

لا تعود التماثيل ضمن هذا التحوّل مجرّد بقايا مادية، بل تتخذ هيئة بنى بصرية تعيد تشكيل العلاقة بين الاستعمار وتركته في الحاضر، إذ لا يعكس الفضاء العام، التاريخَ بقدر ما يعيد صياغته، بحيث يُدرج العنف ضمن سردية قابلة للاستهلاك الثقافي، وهو ما يتقاطع مع اشتغال الشاعر المارتينيكي، إيميه سيزير، في "حول الاستعمار"، حيث لا يظهر الاستعمار انحرافاً عن الحضارة الأوروبية، بل أحد شروطها الكامنة. هكذا لا يُعاد فقط توصيف الحدث، إنما يُرتَّب زمنه، بحيث يُدفع خارج الحاضر، ويُثبّت في ماضٍ مكتمل.

تماثيل من ماضٍ استعماريّ تفرض معناها على الحاضر متجاوزة السياق
 

يتجلّى هذا الاشتغال بوضوح في الفضاء البلجيكي؛ حيث تفرض تماثيل ليوبولد الثاني حضورها مركزاً بصرياً منظِّماً للرؤية، ففي تمثال أوستند يبدو الجسد الملكي على صهوة الحصان موجّهاً الإشارة نحو الأفق، في حركة تربط العلوّ بالامتداد، على أن هذا التكوين لا يكتمل إلّا بما يقوم تحته من شخصيات كونغولية مندمجة في البنية النحتية، تُدرج الجسد المستعمَر داخل سردية تمجيد السلطة، فيتحوّل التمثال إلى جهاز هرمي يوزّع الموقع بين مركز أوروبي وهامش أفريقي.

لا يجري هذا الاشتغال في بلجيكا ضمن سياسة موحّدة، لكنه يتوزّع بين مسارات متباينة، إذ تمّت إزالة بعض التماثيل وأخرى بقيت مع تدخلات تحسينية، فيما تُترك أعمال أخرى تحت إعادة التأطير. في مقابل هذه الكتلة، تظهر اللوحات التفسيرية، أي الشروح التعريفية المضافة لاحقاً، محدودة الحجم والأثر، فلا تعمل على معادلة المعنى وتكتفي بمرافقة تمثيل قائم سلفاً، ومن هنا يتكشّف تفاوت دقيق يتقدّم فيه التمثال البرونزي خطاباً، بينما ينزاح النص المكتوب إلى موقع التعليق، بحيث لا تبدو المسألة نقصاً في المعلومات، وإنما اختلالٌ في الكثافة الرمزية؛ يفرض التمثال معنى، في حين تكتفي اللوحة بشرحه.

أما في الحالة الهولندية، فيجري الاشتغال على نحو مختلف؛ لا مركز واحد للذاكرة، وتوزيعها داخل شبكة مكانية مضبوطة، مثلاً النصب الوطني لتاريخ العبودية في متنزه "أوستر بارك"، من تصميم إيرفين دي فريس، يشكّل نقطة ارتكاز، ولا يعمل وحده، ويتقاطع مع لوحات تفسيرية على مبانٍ تاريخية، مثل مبنى شركة الهند الغربية في ساحة الواقعة في "هيرن ماركت"، ومع مسارات تعريفية تتيح تتبّع آثار العبودية داخل المدينة، ومع ذلك فإن هذا الانتشار لا يعني انفلات الذاكرة، ويؤدي إلى تأطيرها، إذ تُقدَّم ضمن مسارات محددة، وتُقرأ داخل شروط موجّهة، بما يجعل التجربة محكومة ببنية تنظيمية تسبقها.

إدراجٌ لجسد المستعمَر داخل سردية تمجيد السلطة الأوروبية

ما ينتج عن ذلك ليس محواً للذاكرة ولا إعادة ترتيبها مكانياً فحسب، إذ يتوزّع حضورها بين نصب في موقع محدد ولوحات على واجهات معمارية وعلامات موزعة في النسيج الحضري، فتبقى الذاكرة حاضرة داخل إطار يحدّد كيفية ظهورها فلا تغيب ولا تصطدم ولا تختفي ولا تهيمن.

وعلى الرغم من اختلاف نمطَي الاشتغال البلجيكي والهولندي، فإنهما يلتقيان في إنتاج شكل من الغياب؛ يتجلّى الغياب بوصفه غياباً أنطولوجياً يأخذ هيئة فراغ جسدي، يحضر الجلاد كتلة مهيمنة فيما يغيب الضحايا كأجساد مستقلة، ويتخذ الغياب في هولندا شكلاً أكثر تركيباً، مع تفكيك الحدث إلى عناصر تفسيرية تخفّف من حدّته وتحوّل الألم إلى معرفة، وفي الحالتين يُعاد إدخال العنف ضمن نظام تمثيلي يمكن التحكم فيه لصالح سرديات الاستعمار.

هنا يتّضح أنّ المسألة لا تتعلّق بإزالة التماثيل والنُّصُب الاستعمارية بقدر ما تتعلّق بإعادة التشكيل، فلا يكون المطلوب محوها، ولا أحد يشترط إزالتها، بل إدخالها في معادل بصري يضع المستعمِر والضحايا داخل مستوى واحد من القراءة، تفكيك مركزيتها وإعادة توزيع النظر داخلها، لأنّ الفرق الحاسم لا يقوم بين الإبقاء والإزالة، بل بين هيمنة النصّ البرونزي وهامشيّة الشروح التفسيرية المضافة، الأمر الذي يُبقي المعنى منضبطاً داخل البنية نفسها، حتى مع تغيّر لغته ما لم تُعاد صياغة هذه العلاقة.

غير أن هذا التحوّل يصطدم بإطار معرفي أوسع يتمثّل في الخطاب الذي يضع الاستعمار ضمن ما يُسمّى أدبيات "ما بعد الاستعمار" كما لو أنه أُنجز وانتهى، إذ يُعاد تقديمه في صيغة مفهوم مجرّد منفصل عن شروطه التاريخية، وينفصل بذلك عن علاقات القوة التي لا تزال تنظّم الحاضر، فيبدو كأنه حدث مضى لا بنية مستمرة، وعند هذه النقطة لا يُنظَّم التذكّر وحده، بل يُعاد ترتيب النسيان أيضاً.