14 يناير: حين يتحوّل الحنين إلى أداة لتزوير التاريخ

21 يناير 2026   |  آخر تحديث: 13:47 (توقيت القدس)
+ الخط -

ليس الرابع عشر من يناير تاريخًا مُحايدًا يمكن التعامل معه ببرود. هو ذاكرة ثقيلة لا يحملها إلا من عاش ما قبلها، وتشكّلت حياته في ظلّ الخوف. لذلك لا يُقاس هذا اليوم بما آل إليه المسار لاحقًا، بل بما مثّله من لحظة انعتاق كُبرى، انكسر فيها قيد الصمت. اليوم، يُعاد النقاش حول 14 يناير خارج سياقه الحقيقي، لا بوصفه حدثًا تحرّريًا، بل كخطأ تاريخي يُلام عليه الحاضر. وفي هذا السرد الجديد، يتحوّل الحنين إلى أداة لتزوير الذاكرة، ويُعاد تلميع الاستبداد باسم الأمن والعيش الكريم، وكأنّ ما سبق لم يكن زمن خوفٍ وقمع، بل مجرّد تفصيل يمكن القفز عليه. 

قبل 14 يناير: حين كان الخوف أسلوب حياة  

 لم يكن الخوف قبل 14 يناير حالة استثنائية، بل مناخ عام يطاول الجميع. كان حاضرًا في البيوت والشوارع، وفي الصمت الذي يُفضَّل على الكلام حتى داخل العائلة الواحدة. تعلّم الناس كيف يَزِنون كلماتهم، وكيف يخفون آراءهم، وكيف يتعايشون مع دولة تُشعرهم بأنّ السلامة تكمن في الصمت.

إلى جانب هذا الخوف، كان الفقر واقعًا واسعًا لكنه مخفيّ بعناية. لم تكن الشاشات تعكس حياة الناس كما هي، بل صورة مُنتقاة لبلاد "مستقرّة"، بينما كانت أحياء كاملة تعيش على الهامش. لم يكن الإعلام مرآةً للمجتمع، بل أداة لتجميل الواقع وإخفاء كلفة ذلك "الاستقرار."

تحوّل الخوف إلى نظام، والصمت إلى شرط للبقاء

وكان هذا الخوف أشدّ قسوة حين يتعلّق بالمظلومين وأصحاب الرأي. عانت عائلات كاملة بسبب انتماء أُلصق بها، أو شبهة وُرّثت لأبنائها، فقُمعت الحريات الدينية، واستُهدف المصلّون، وحُوصِر الحجاب. وفي العمق، كانت البلاد تُدار بمنطق الغنيمة، تُقسَّم بين دوائر ضيّقة من النفوذ، ويُقصى المختلفون من العمل والدراسة والحلم. هكذا تحوّل الخوف إلى نظام، والصمت إلى شرط للبقاء.

من لا يحمل الذاكرة… ومن فتح عينيه على الحرية

ثمّة فرق جوهري بين من عاش الخوف والصمت، وبين من عرف تلك المرحلة كحكاية لا كتجربة. الذاكرة هنا ليست امتيازًا أخلاقيًا، لكنها شرط للفهم؛ فمن دونها يُبتر السياق ويُختزل الماضي. فالذاكرة التي تُخان اليوم، ستخون أصحابها غدًا.

لكن المشهد لا يُختصر في هذا التقابل. فثمّة جيل فتح عينيه على لحظة الحرية نفسها، وعاش الشارع بعد 14 يناير، واختبر معنى أن تكون كلمة الناس مسموعة. في تلك اللحظة، بدت تونس منارة عربية للحرية، لا لأنّ المسار كان بلا أخطاء، بل لأنّ الخوف كُسر ولأنّ الأفق فُتح.

الذاكرة التي تُخان اليوم، ستخون أصحابها غدًا

وفي المقابل، ثمّة من يرى في 14 يناير تاريخًا أسود، ويتعلّق بما قبله، ويبكي على زمن الاستبداد لا باعتباره قمعًا، بل "هيبة". هنا لا يدور الصراع حول تقييم حدث فقط، بل حول أيّ ذاكرة تُعتمد وأيّ معنى يُراد تثبيته.

الحنين كسلاح: كيف يُزوَّر التاريخ؟

لم يعد الحنين مجرّد شعور فردي بالماضي، بل جرى توظيفه كأداة سياسية متكاملة. يُستدعى لا لفهم الماضي، بل لإعادة ترتيبه وتلميعه وتجريده من طابعه القمعي. في هذا الخطاب، لا مكان لدماء الشهداء، ولا لعائلات الجرحى، ولا للذين دفعوا من أجسادهم وأعمارهم ثمن لحظة الحرية. تُمحى التضحيات، ويُختزل المسار، ويُقدَّم الاستبداد في صورة "الدولة القوية" و"الهيبة" و"الاستقرار."

وتُسوَّق في هذا الخطاب مُقايضة وهمية بين الخبز والحرية، كأنّ الصمت كان ثمن الاستقرار، فيما لم يكن ذلك الاستقرار سوى قشرة تُخفي أزمات عميقة فجّرت البلاد لاحقًا. فالأمن الذي يُستدعى اليوم لم يكن حلًّا اقتصاديًا، ولا ضمانًا للكرامة، بل غطاء هشًّا لتفاوت اجتماعي وبطالة وتهميش كانت هي نفسها وقود الانفجار في 2011.

ويلعب الإعلام اليوم دورًا مركزيًا في هذا التزييف. لا يُسأل النظام السابق عمّا فعله، بل عمّا يُقال إنّه وفّره، ولا تُستحضر المعاناة إلا بوصفها "تفاصيل"، فيما يُقدَّم القمع ككلفة ضرورية للعيش الكريم. هكذا يتحوّل الحنين من شعور شخصي إلى سردية جاهزة، تُسوّق الخوف بوصفه عقلانية، وتُعيد إنتاج الصمت باسم التجربة. حين يُبيَّض الاستبداد في الذاكرة، تصبح عودته مسألة وقت.

خاتمة

لا يُحاكم 14 يناير بما تلاه فقط، ولا تُبرَّأ الأخطاء التي ارتكبها من حكموا بعده. فتعثّر المسار وسوء إدارة المرحلة منحا تجّار الحنين مادّة جاهزة لتزييف الذاكرة، لكنّ ذلك لا يبرّر قلب الحقائق ولا تبييض منظومة القهر.

فالوفاء لدماء الشهداء، ولعائلات الجرحى، يكون بالتمييز بين نقد مسارٍ أخفق وتبرئة استبدادٍ قام على الخوف والإقصاء. فالأمم التي تساوم على ذاكرتها، تساوم من دون أن تدري على حريتها.

المجد للثورة، والعار لتزييف ذاكرتها.