مصير الطُغاة... سيناريو مُتكرّر
تتواصلُ الأزمات في العالم العربي، حيث يتشاركُ الحكّام في أهدافٍ شخصيّة تحوّل دولهم ومقدراتها إلى ملكيّات خاصة. وهذا الوضع يفتح المجال لدول أخرى لاستغلالهم وابتزازهم، عبر تسليم أجزاء من سيادة وثرواتِ البلاد، بما في ذلك الثروات البحرية والنفطية، لتصبح تحت سيطرة قوى خارجية مثل بريطانيا وروسيا وأميركا وإسرائيل... بالإضافة إلى الأدوات الإقليمية للقوى الكبرى كالإمارات والسعودية وإيران...
دائمًا ما يبدأ الطغاة العرب حكمهم بوعودٍ ورديّةٍ عن الإصلاح والحرية، ومع مرور السنوات، يتراجعون عن تلك الوعود، ليحلّ البطش محلّ الكلمات الطيّبة.
هذه الديناميكية تدفعهم إلى مواجهة الغضب الشعبي، ممّا يقودهم إلى سياساتِ الاعتقالات والتنكيل، في الوقت الذي يعيش فيه المواطن العادي في فقرٍ مدقع، غافلاً عن الثروات الوطنية التي يمكن أن تُحدث تغييرًا كبيرًا في حياته.
في سورية، تمكّن حافظ الأسد وابنه بشار من شخصنة الدولة لصالح عائلتهما على مدى نصف قرن، ممّا أبرز جوانب الطغيان، وبما جعلهما في نظر الموالين ملوكًا لا يُقهرون. وهذا الطغيان، الذي ارتبط بالانتماء الشيعي العلوي، جعل من بشار وحافظ رموزًا للجبروت، بينما عانى الشعب من أبشع صور القمع.
تظلّ الشعوب قادرة على استعادة حقوقها وإسقاط الظلم، لتؤكّد حقها في الحرية والكرامة
ومع ذلك، لا يُدرك الطغاة العرب أنّ نهايتهم ليست فقط حتمية، بل ستكون مأساوية. فهم يرتكبون نفس الأخطاء التي وقع فيها من سبقهم، لتتوزّع نهاياتهم بين القتل كالقذافي أو الخلع والهرب كالأسد وبن علي أو السجن كحسني مبارك، وذلك قبل قدوم السيسي... .
تجارب التاريخ، من نيكولاي تشاوشيسكو في رومانيا إلى معمر القذافي في ليبيا وعلي صالح في اليمن...، تؤكّد أنّ الطغاة لا ينجون من العقاب. ومصائر الطغاة الذين ما زالوا على كراسيهم، لن تختلف كثيرًا عن مصائر من سبقوهم. لقد كتبوا نهايتهم بأيديهم، وأصبحوا مكروهين في عيون شعوبهم.
تعيش المنطقة العربية اليوم مرحلةً حاسمة، فنحن أمام معركةٍ مصيرية تُخاض على جبهات متعدّدة. وهذه المعركة ليست مجرّد صراع سياسي عابر، بل تمثّل مواجهة حقيقية بين القانون واللاقانون، والانتخابات والملكية، والمحاسبة والإفلات من العقاب.
الأزمات الراهنة ليست نتاج الثورات التي أطلقها الربيع العربي، كما يحاول خصوم هذه الثورات تصويرها، بل هي نتاج مباشر لانقلابيين وقادة ثورات مضادة تآمروا على الانتقال الديمقراطي، خوفًا من أن يستعيد الشعب زمام أموره.
تعيش المنطقة العربية مرحلةً حاسمة، فنحن اليوم أمام معركة مصيرية تُخاض على جبهات متعدّدة
تتضح الصورة في تكتّل خصوم الثورة، الذين نجحوا في إجهاض آمال الشعوب، ودفعها نحو عهود جديدة تعصف بها الصراعات والحروب الأهلية. وتهيمن على هذه الأوضاع عصابات مسلّحة تحتكر الحكم والمال والسلاح، بينما يغيب أيّ صوتٍ للحياد. وصار الخيار أمام الناس، إمّا دعم هذه العصابات أو مواجهة الاعتقال أو المنفى أو حتى الموت.
تبرز الحاجة الملحة لمراجعة مسيرة الربيع العربي، لا للتراجع عنها، بل لاستخلاص الدروس والعبر. التراجع يعني إعلان الندم على مقاومة الطغيان، وهو أمر لا يمكن لأيّ إنسان حر أن يفعله.
في الدول التي أُفشِلت فيها الثورات، كاليمن، فقد شهد صراعات طائفية وسياسية قادت علي صالح إلى دوامة من الفوضى، حتى انتهى به المطاف مقتولًا على يد حليفه الحوثي، في حدثٍ يعكس تراجيديا السياسة اليمنية وكيف انقلب حلفاء الأمس ضدّ بعضهم.
يبدو أنّ الطغاة لم يتعلّموا شيئًا من التاريخ، حيث سقط أسلافهم وداستهم الشعوب بأقدامها. وكما أُسقط الحوثيون الأئمة في ثورة 26 سبتمبر، فإنّ الطغاة الحاليين لن يكونوا بمنأى عن المصير ذاته أيضًا. هذه هي طبيعة الحياة، حيث تظلّ الشعوب قادرة على استعادة حقوقها وإسقاط الظلم، لتؤكّد حقّها في الحرية والكرامة.