مسلسل معاوية: بين التاريخ والدراما

05 مارس 2025   |  آخر تحديث: 06 مارس 2025 - 16:38 (توقيت القدس)
+ الخط -

صاحب عرض مسلسل "معاوية" موجة من الآراء والرؤى، بين مؤيّد لتقديم سيرة الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان ومعارض لتجسيد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صرّح عددٌ من علماء الأزهر الشريف ومشايخه الذين أفتوا بتحريم العمل الذي أنتجته قناة "إم بي سي"، من تأليف الصحافي المصري خالد صلاح، وإخراج مواطنه أحمد مدحت الذي تولى الإخراج بعد خلاف بين الجهة المنتجة والمخرج الأوّل طارق العريان.
هذه الدراما التاريخية التي أُجِّلَت قبل سنتين بسبب اعتراضات عدّة مراجع شيعية، ولا سيّما في العراق، التي أمرت هذا العام من خلال هيئة الإعلام والاتصالات بمنع بثّ وعرض العمل الذي اعتبرته مثيرًا للسجالات الطائفية، ما يهدّد السلم الاجتماعي ويؤثّر بالنسيج الاجتماعي.
من الناحية الفنية انتقد كثيرون الحلقة الأولى للمسلسل الذي أشارت تقارير إلى أنّه كلّف ما يقارب 100 مليون دولار، لكنه لم يخلُ من المغالطات التاريخية. فالحلقة الأولى منه اختزلت طفولة معاوية بشكل مريب، في حين أنّه كان يستوجب الوقوف على كثيرٍ من التفاصيل، ولو بلمسةٍ درامية متخيّلة، حتى وإن كانت غير مُوثقة تاريخيًا، ما دام صنّاع العمل وعددٌ من النقاد يرون أنّ التزام كلّ ما جاء في التاريخ سيحوّل هذه الملحمة التاريخية إلى مسلسل وثائقي. ويمكن القول إنّ الحلقة الأولى كانت عبارة عن موجز سريع للأحداث من دون الاهتمام بظروف نشأة بطل الملحمة.

بالحديث عن شخصية أبو سفيان بن حرب التي يؤديها الممثل السوري فادي صبيح، كانت خلال الحلقات الثلاث الأولى شخصية ثانوية غير مؤثّرة البتة في تكوين شخصية معاوية، ولا أخذت ذلك البعد الذي تستحقه، وهو سيد بني عبد شمس، ثم سيد جميع بطون قريش، وبعدها سيد جميع فروع بني كنانة لغاية فتح مكة وإسلامه، إلّا أنّ العمل لم يبيّن تأثر معاوية بشخصية والده، أحد كبار مكة وأشرافها، وركّز على حبّه لأخته أم المؤمنين السيدة رملة، وأظهر ذلك في مشهد بسيط، حيث تركت له رسالة وغادرت ليلًا، ليخرج وراءها معاوية إلى الصحراء وينادي عليها، ثم يحدّث في مشهد آخر شقيقه يزيد عنها وعن شوقه لها. وعليه، فإنّ كثيراً من المشاهدين أجمعوا على إهمال التكوين الأسري لشخصية مؤسّس الخلافة الأموية وعلاقته بوالده قائد جيش المشركين في غزوة أحد وبسادة مكة في طفولته، التي من دون شك سيكون أثرها عليه لاحقًا في فترة ريعانه وشبابه.

 لم يبيّن العمل تأثر معاوية بشخصية والده أحد كبار وأشراف مكة

أمّا معاوية أمير المؤمنين، الذي قدّم شخصيته الممثّل السوري لجين إسماعيل، فبدا معاوية آخر غير الذي قرأنا عنه في الكتب، جاء في المسلسل هادئًا، متوازنًا، رصينًا...، لكن رجلًا بهذه الصفات ما كان ليدخل في خلاف مع آخر الخلفاء سيّدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قبل القصاص لابن عمه الخليفة عثمان بن عفان، خليفة المسلمين في دمشق الذي أظهر براعة منقطعة النظير في الحكم والتسيير، كما أبان قبلها عن قدراته العالية في القتال والغزو، فليس من المنطق أن يكون بتلك الحكمة وهو في ريعان شبابه.

تاريخيًا، أشارت العديد من المصادر إلى أنّ عدد المسلمين في غزوة بدر الكبرى كان ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، وكان تعداد جيش قريش ألف رجل، وفي غزوة أحد كان عدد المقاتلين من قريش وحلفائها يفوق ثلاثة آلاف، فيما كان عدد المسلمين حوالى الألف، انسحب منهم حوالى ثلاثمئة وقاتل سبعمئة. في المسلسل، صُوِّرَت الغزوتان بشكلٍ سطحي من دون أيّ عمق يؤكّد حقيقة الواقعتين، ولا سيّما حين انتصر المسلمون في غزوة بدر أمام جيش قريش الذي كان يشكّل ثلاثة أضعافهم. إنّ إظهار المعركتين بذلك الزخم الدرامي ألغى غلبة المسلمين الساحقة والمستحقة في الغزوة الأولى بالرغم من قلّة العتاد والعدّة، وغيّبت حقيقة كشف المنافقين في الغزوة الثانية.
ومن المغالطات التي وقع فيها صنّاع المسلسل، في المشهد الذي صُوّرت فيه دمشق (العام الثاني قبل الهجرة) في رحلة لأبي سفيان بغرض التجارة، ثم في طريق عودته، حيث سمع بأنّ جيش المسلمين ينوي أن يقطع طريقه فاستنجد بسادة مكة ووقعت غزوة بدر التي من المفروض أنها وقعت في العام الثاني من الهجرة وليس قبلها. وهو دليل على قلّة البحث أو الاعتماد على مصدر واحد دون سواه.

غياب شبه تام للمعجم الجاهلي الفصيح والبليغ، واستبداله بمصطلحات من العربية المعاصرة التي لم تنطق بها قريش في زمن المعلّقات

على مستوى اللغة يلاحظ خلل في الحلقات الثلاث المعروضة في الحوار، مع غياب شبه تام للمعجم الجاهلي الفصيح والبليغ، واستبداله بمصطلحات من العربية المعاصرة التي لم تنطق بها قريش في زمن المعلّقات. كذلك اغتال صنّاع العمل المشهد الشعري بشكلٍ غريب، حيث غاب عن الكاتب ضرورة إقحام الشعر في حياة معاوية، وهو القائل: "اجعلوا الشعر أكبر همّكم، وأكثر دأبكم" كما ذكر ابن رشيق في الصفحة الـ15 من كتابه "العمدة"، وأشار إلى ذلك أيضاً المبرد صاحب "الكامل" في الصفحة الـ379. وذكر الجاحظ في الصفحة الـ314 من "البيان والتبيين": "كان معاوية من الفصحاء الخطباء، الذين يشارُ إليهم بالبنان". في هذا الجانب، لا أفهم في الحقيقة كيف يمكن لإدارة إنتاج بميزانية ضخمة أن تستغني عن المختصين من أهل الأدب والشعر واللسانيات والاكتفاء فقط بما قدّمه الصحافي خالد صلاح، وهو الذي لم نعرف له أيّ عمل أدبي من قبل.
من ناحية الخلاف السياسي والديني الذي يثيره العمل، أقف عند رأي المؤرخ البريطاني جون روبرت سيلي، حينما قال: "التاريخ سياسة ماضية... والسياسة تاريخ حاضر". ومن خلال ما عرض من حلقات، يمكن القول إنّ العمل يعاني على مستويات عدة كما أشرنا أعلاه تاريخياً، درامياً، لغوياً. ويبدو أننا أمام عمل جاء بناءً على إرادة سياسية في إطار رؤية محدّدة، لكن كان بالإمكان أن يخرج في صورة أفضل تليق بمقام أمير المؤمنين لو جرى التركيز على الجانب الفني بالاعتماد على آراء تاريخية موثوقة ومحقّقة.
في الختام، مسلسل معاوية قد يكون أضخم إنتاج تاريخي في الوطن العربي، لكنّه ليس الأفخم، وقد وقع صنّاعه في أخطاء سابقيهم في هذا النوع من الدراما ولم يتعلّموا منها.

سمير رابح
سمير رابح
كاتب وناقد مسرحي من الجزائر، له عدّة نصوص مسرحية ومساهمات في الصحف الجزائرية، خريج قسم الأدب، تخصّص دراسات نقدية، ومتحصّل على ديبلوم الكتابة الدرامية. يعبّر عن نفسه، بالقول: "أنا لا أكتب رغبة في الكتابة، بل أكتب عمّا يهمني من الأشياء".