متى يسقط النظام الإيراني؟

05 مارس 2026   |  آخر تحديث: 16:47 (توقيت القدس)
+ الخط -

ونحن نتابع تطوّرات العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، يتبادر إلى الذهن سؤال: كيف يمكن أن يسقط نظام الحكم في إيران، إن كان ذلك ممكناً أصلاً؟

من المعروف أنّ النظام الإيراني يجمع بين البُعدين السياسي والديني، ما يمنحه سنداً أيديولوجياً راسخاً يجعل مسألة إسقاطه أكثر تعقيداً من إسقاط أنظمة ذات طابع سياسي بحت. فالعقيدة هنا ليست مجرّد غطاءٍ رمزي، بل ركيزة تعبئة وتماسك داخلي.

وعند مقارنة أنظمة الحكم التي سبق أن أسقطتها أميركا أو شاركت في إسقاطها، يمكننا ملاحظة هذه النماذج التي اعتمدتها لتحقيق ذلك خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة:

أولاً، رفع الغطاء السياسي

في حالة حسني مبارك، جاء إسقاط النظام عبر ضغط سياسي وإعلامي مكثّف، ودعم للمعارضة في الداخل، من دون تدخّل عسكري مباشر.

ثانياً، الدعم السياسي والعسكري المحدود

وهنا تبرز التجربة السورية في بداياتها، حيث ساهمت أميركا، برفقة دول عدّة، بتقديم دعم عسكري محدود، بالإضافة إلى دعم سياسي، تلاه إسقاط النظام بعد تآكل مؤسسات الدولة.

تتحكّم إيران بجزء حيوي من حركة الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، ما يمنحها ورقة ضغط استراتيجية

ثالثاً، الدعم السياسي والعسكري المُكثّف بالشراكة مع حلفاء

في ليبيا، أُسقط نظام معمّر القذافي عبر تحالف دولي قادته الولايات المتحدة، حيث تضافر القصف الجوي مع وجود معارضة مسلّحة ومنظّمة على الأرض، ما سرّع انهيار النظام.

رابعاً، التدخل العسكري المباشر والمنفرد

وهنا تبرز التجربة الفنزويلية، حيث تدخّلت أميركا بمفردها عسكرياً، واعتقلت رأس السلطة مادورو واقتادته إلى أميركا للمحاكمة، ومن ثم إخضاع ما تبقى من النظام للتوجهات الأميركية.

انطلاقاً من هذه النماذج، يُطرح السؤال: أيُّ نموذج يمكن تطبيقه على إيران؟

ثمة عوامل تجعل الحالة الإيرانية مختلفة:

1. البعد الإقليمي والدولي

إيران قوّة إقليمية ذات نفوذ واسع، ولها علاقات استراتيجية مع قوى كبرى مثل روسيا والصين، وهي تختلف عن الدول التي جرى طرحها في النماذج السابقة، والتي يمكن تصنيفها بأنها دول محدودة التأثير.

2. الامتداد المذهبي والسياسي

بحكم مكانتها الدينية لدى قطاع واسع من الشيعة، تحظى إيران بتعاطف أو دعم من قبل بعض المكوّنات في دول الجوار.

3. شبكة الحلفاء الإقليميين

تمتلك إيران أذرعاً وازنة في دول مثل لبنان والعراق واليمن، ما يمنحها عمقاً استراتيجياً وقدرة على نقل المواجهة خارج حدودها.

الاستهداف الراهن لا يطاول النظام فحسب، بل الدولة الإيرانية ككل

4. البنية الأيديولوجية للمؤسسة العسكرية

الجيوش أو التشكيلات ذات العقيدة الدينية الصلبة غالباً ما تكون أكثر تماسكاً في أوقات الأزمات، لأنّ القتال يُقدَّم بوصفه دفاعاً عن قضية وجودية.

5. الموقع الجغرافي ومضيق هرمز

تتحكّم إيران بجزء حيوي من حركة الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، ما يمنحها ورقة ضغط استراتيجية. وهو ما بدا واضحاً برفع أسعار الغاز المُسال بنسبة 50% مباشرة بعد قرار قطر التوقّف عن تصدير الغاز، مع احتمالات ارتفاع الأسعار إلى 130% إذا استمرّ إغلاق المضيق لمدّة شهر، وهو ما قد يدفع القوى الدولية إلى البحث عن تسوية سريعة لتفادي أزمات اقتصادية واسعة.

بالعودة إلى سؤال النموذج الذي يمكن اتباعه:

أولاً، قامت الولايات المتحدة وإسرائيل فعلاً باغتيال قيادات من الصف الأوّل عقب الضربة التي استهدفتهم، غير أنّ ذلك لا يعني مطلقاً إسقاط النظام، بل يشير إلى إحداث خلخلة في بنيته المتماسكة واحتمال نشوب خلافات داخلية عقب هذه الاغتيالات. ومع ذلك، يُرجَّح أنّ النظام الحاكم في إيران قد خطّط مسبقاً لمثل هذا السيناريو، ولا سيما في ضوء ما شهدته قيادات حزب الله وما آلت إليه أوضاعه عقب الضربة الأولى في يونيو/حزيران 2025. وبناءً عليه، لا يمكن التعويل على هذا السيناريو وحده لإنتاج قيادة تخضع للشروط الأميركية.

ثانياً، يبدو حتى الآن أنّ الولايات المتحدة وإسرائيل قد فشلتا في إعادة تحريك الشارع الإيراني ودفعه نحو ثورة جديدة ضدّ نظام الحكم، وذلك لإدراك قطاعات واسعة من الشعب الإيراني أنّ الاستهداف الراهن لا يطاول النظام فحسب، بل الدولة الإيرانية ككل، الأمر الذي يدفعه إلى الإحجام عن الخروج في تظاهرات في المرحلة الحالية.

ثالثاً، يبدو أنّ الولايات المتحدة بدأت باللعب على ورقة الأقليات، ولا سيما بعد المشاورات التي أجراها ترامب مع قيادات كردية في العراق لاستطلاع إمكانية الاعتماد على هذا السيناريو، من خلال خلق مقاومة مسلّحة ذات غالبية كردية، وربما تقديم وعود سياسية أو مكاسب مستقبلية مقابل المساهمة في إسقاط النظام.

بدأت الولايات المتحدة العدوان على إيران من دون امتلاك خطة واضحة أو سيناريوهات مدروسة يمكن التعويل عليها لمرحلة "اليوم التالي"

غير أنّ توظيف ورقة الأقليات، وخصوصاً الورقة الكردية، يُعد خياراً معقّداً يتطلّب وقتاً طويلاً، وتمويلاً كبيراً، وتنظيماً عسكرياً فعّالاً على الأرض، وهو مسار لا ينسجم عادة مع نهج الإدارات الأميركية التي تميل إلى الحلول السريعة أو "الجراحية" بهدف تقليل كلفة الاستنزاف.

ما هو مؤكّد حتى الآن أنّ الولايات المتحدة بدأت هذا العدوان من دون امتلاك خطة واضحة أو سيناريوهات مدروسة يمكن التعويل عليها لمرحلة "اليوم التالي". وإذا ما استمر الاستنزاف المُتبادل، ولا سيما في مجالي الدفاعات الصاروخية وتهديد طرق إمدادات الطاقة، فإنّ الكلفة الاقتصادية والأمنية المُتصاعدة قد تدفع جميع الأطراف في نهاية المطاف إلى طاولة التفاوض، حيث تُعاد صياغة الشروط والمعادلات، لا إسقاط الأنظمة.

وفي المحصلة، لا يبدو أنّ إسقاط النظام في إيران مسألة يمكن حسمها بضربة واحدة أو عبر آلية تقليدية من تلك التي استُخدمت في حالات سابقة؛ فتعقيد البنية الداخلية، والامتداد الإقليمي، والموقع الجيوسياسي، كلّها عوامل تفرض حسابات دقيقة ومركّبة.

وعليه، قد لا يكون السؤال الأهم هو: متى يسقط النظام؟ بل: هل إسقاطه خيار واقعي أصلاً، أم أنّ إعادة ترتيب التوازنات عبر تسوية جديدة هو الاحتمال الأرجح؟