عن صمت المجتمع وقهر النساء في الساحل السوري

06 مايو 2025
+ الخط -

في بلادٍ أُنهِكت بالحرب والتهميش، لم يعد الخطف خبراً صادماً، لكن حين تكون الضحية امرأة، تصبح الجريمة أعمق، أشدّ قسوة، وأكثر صمتاً.

في الساحل السوري، تُختطف نساء من منازلهن، من الطرقات، من تفاصيل حياتهن اليومية، في صمتٍ مُخيف يلفّ المكان والناس، ومن دون بيانات رسمية، من دون تغطية إعلامية كافية، ولا حتى اعتراف جماعي بأنّ هناك جريمة تُرتكب باسم "الظروف".

هذه ليست مجرّد حالات فردية، بل ظاهرة تحمل في طياتها كلّ ملامح التمييز الجندري، واللامساواة، وانعدام الحماية. فمن حقنا ومن واجبنا، أن نروي هذه القصة من زاوية نسوية، لأنّ المرأة السورية ليست فقط ضحية حرب، بل ضحيّة مجتمع لا يرى في جسدها وحرّيتها ما يستحق الدفاع عنه.

ليست الحكايات عن خطف النساء في الساحل السوري مجرّد إشاعات أو "أحاديث نساء" كما يحاول البعض تصويرها. بل ثمّة نساء من قرى وبلدات مختلفة، غالبيتهن من خلفيات بسيطة، تمّ الإبلاغ عن اختفائهن في ظروف غامضة، أُخذت بعضهن من أمام منازلهن، أخريات اختفين أثناء ذهابهن إلى العمل أو الدراسة.

في بعض الحالات، يُقال إنّ وراء الخطف عصابات منظّمة، تعمل بعلم جهات متنفذّة أو بغضّ طرفها، لأغراض تتراوح بين الابتزاز المالي، الاتجار بالبشر، وحتى تصفية الحسابات. لكن الأفظع من الجريمة نفسها هو الصمت الذي يحيط بها، فلا مساءلة، لا حماية، ولا حتى اعتراف رسميا بأنّ هناك أزمة، معظم الأهالي يخافون الحديث، وبعضهم يخجل. وهكذا، تصبح المرأة المُختطفة ضحية مرّتين؛ مرّة حين تُختطف، ومرّة حين يُنكر المجتمع وجودها أو يُحمّلها مسؤولية ما جرى.

كلّ امرأة تُخطف ويُصمت عنها، تصبح في اللاوعي الجمعي قابلة للنسيان

من منظور نسوي، هذه الظاهرة ليست فقط اعتداءً على الأجساد، بل على الحقّ في الوجود الآمن والكرامة. النساء لسن "تفاصيل هامشية" في الحرب، ولسن مجرّد أضرار جانبية، فعندما تُخطف امرأة، فذلك يعني أنّ هناك مجتمعاً يرى في جسدها وسيلـة للضغط، أداة للتهديد، أو مجرّد رقم لا يستحق أن يُبحث عنه.

السكوت عن هذه الانتهاكات يعكس نظاماً ثقافياً يرى في المرأة كائناً ثانوياً، ويمنح الخاطف سلطة مضاعفة؛ سلطة العنف، وسلطة الإفلات من العقاب.

المشكلة لا تقف عند حدود الجريمة، بل تستمر في النظرة المجتمعية للضحية، والتي قد تُقابل باللوم أو التشكيك، كأنّها جلبت ما حدث لنفسها. إذ تُعامَل بعض النساء المختطفات (إن عدن) كمصابات بالعار، بدل أن يُستقبلن كناجيات، أما من لم يعدن، فلا يُذكَرْن إلا همساً، وكأنّ مجرّد الحديث عنهن عار.

مؤسّسات الدولة، بما فيها الأمنية، لم تُظهر حتى الآن تحرّكاً جدياً أو شفافاً لكشف مصير المختطفات أو محاسبة المسؤولين. وهذا الصمت الرسمي لا يُفسَّر إلا كتواطؤ، أو على الأقل استهتار متعمّد بحياة النساء.

وفي حين يصرخ خطاب "حماية المجتمع" في وجه المرأة عندما ترتدي ما لا يعجبهم، أو تخرج حيث لا يريدون، فإنه يلوذ بالصمت حين تُخطف من بيتها أو شارعها. أنا أكتب اليوم لا لأروّج للخوف، بل لأكسر الصمت، لأنّ كلّ امرأة تُخطف ويُصمت عنها، تصبح في اللاوعي الجمعي قابلة للنسيان.

ولأنّ النسوية الحقيقية ليست فقط دفاعاً عن حقّ العمل واللباس، بل أولاً وقبل كلّ شيء؛ دفاع عن الحياة، عن الحقّ في الأمان، وعن العدالة لكلّ امرأة، أياًّ كانت خلفيتها أو طبقتها أو موقعها الجغرافي.

لن يكون هناك مستقبل حرّ لنساء سورية إن لم نُسمِّ الجريمة باسمها، ونسأل: من يحمي الخاطفين؟ من يصمت عنهم؟ ولماذا يُترك جسد المرأة مكشوفاً لهذا القدر من العنف؟

نحن لا نملك سلطة قانونية، لكننا نملك صوتاً، وصوتنا الآن يجب أن يقول: لن تُنسى النساء المختطفات، ولن تكون الحرب مبرّراً لانتهاكهنّ بصمت.