عن شعوبٍ ترجو الله أن يغسل لها الأطباق

02 يناير 2026   |  آخر تحديث: 00:25 (توقيت القدس)
+ الخط -

بينما كنتُ أُقلّبُ في دفاتر "الخيبة الوطنية" وأتحسّسُ مواضع الوجع في مقال الكاتب بلال فضل "دعاء نهاية السنة الخنيقة"، تذكّرت ابتهالات الكاتب المصري محمد بركة في روايته "عرش على الماء"، تلك التي كان يمزج فيها بين قدسية الدعاء ومرارة الواقع حين قال: "اللهم بحق اسمك الأعظم الذي إذا دعيت به أجبت، أسألك أن تجعل لي من اسمي نصيبًا، فيعرفني القوم كما يعرفون سعد زغلول ومنيرة المهدية".

وعلى دربهما، وبدلاً من أن أجتهد في صياغة جمل رشيقة سأختصر الطريق وأقول: "اللهم يا ميّسر الأمور، اجعل مقالي هذا 'تريندًا' عابرًا للقارات، وحبّب فيه الخوارزميات، واجعله يقتحم الشاشات من دون أن أضطر لتسويقه أو حتى تجويده.. إنّك على كل 'شير' قدير".

أقول هذا وأنا أدرك أنّنا أصبحنا شعوبًا لا تملُّ من رفع الأكُفِّ للسماء؛ لا لأننا ننتظر "المعجزات" فحسب، بل لأنّنا فقدنا الأمل في "البشر". نحن ندعو الله لكي يحلَّ معضلاتٍ كان بوسع ضميرِ مسؤولٍ واحد، أو مكنسةٍ يدوية، أو قليلٍ من المنطق، أن تحلّها في دقائق.

 ندعو بالرزق الحلال، ونحن نبتلع "لقمة" الضعيف بابتسامةٍ ورعة

يبدو أن "كتالوغ" الأدعية العربية بات بحاجةٍ إلى تحديثٍ شامل؛ ليس لأنّ الله لا يستجيب حاشا لله، بل لأننا نطلب منه سبحانه أن ينوب عن "المجالس المحلية" و"شركات النظافة" و"وزارات التعليم" و"اتحادات الكتاب"..، نحن شعوبٌ تضرع إلى الله أن يُنظف شوارعها، بينما يرمي أفرادها مخلّفاتهم من نوافذ السيارات وهم يتمتمون: "اللهم نجّنا من الأوبئة".

لقد وصل بنا "الاتكال" حدّاً يجعلُ المرء يضحك حتى البكاء. ذكّرتني هذه الحالة بصديقةٍ لي، كانت غارقةً في فوضى تنظيف منزلها، وحيدةً وسط تلالٍ من الأثاث والستائر، فنظرت إليّ بعينين دامعتين وقالت بجديةٍ تامة: "ادعي لي يا أختاه أن أنتهي من ترتيب هذا البيت بسرعة.. فأنا وحيدة كما ترين!". وقفتُ مبهوتةً أمام هذا الطلب "الميتافيزيقي"؛ هل ترجو من دعائي أن تتحوّل قطع الأثاث إلى كائناتٍ ذات أجنحة تطير لتستقر في أماكنها؟ كيف أدعو الله بمعجزةٍ "لوجستية" من أجل ستائر ومقاعد، بينما الحلّ يكمن في "ساعدين" قويين وقليلٍ من الصبر؟

وفي موقفٍ آخر، كنّا على طريق السفر، والعداد يشير بوضوحٍ إلى أنّ الرحلة تستغرق خمس ساعات بالتمام والكمال، فالتفتت إليّ صديقةٌ أخرى تئنُّ من الملل وقالت: "توسلي إلى الله أن نصل الآن!". نظرتُ إلى الطريق الممتد، وإلى قوانين الفيزياء والسرعة والزمن التي لا تُحابي أحداً، وتساءلت: هل ترجو أن ينكمش كوكب الأرض فجأة تحت عجلات سيارتنا ليرضي مللها؟ أم تريد دعاءً يخترق ثقوب الزمن لنصل قبل أن نتحرّك؟ إننا لا ندعو طلباً للبركة، بل نطلب من الله "تجميد" قوانين الكون لخدمة كسلنا أو ضيق عقولنا.

وصل بنا "الاتكال" حدّاً يجعلُ المرء يضحك حتى البكاء

يا من جعلت الصبر مفتاحًا للفرج، ارحم شعبًا ضيّع المفتاح، ثم جلس أمام الباب المُغلق يدعوك أن تفتحه له دون أن يُكلّف نفسه عناء النهوض من مكانه.

كنّا قديماً ندعو: "اللهم افتح علينا فتوح العارفين". واليوم، نرى هؤلاء "العارفين" يفتحون "تيك توك" ليتلوا علينا "حظك اليوم"، أو لنقتفي أثر "خصومة" مُبتذلة بين ممثّل ومطلّقته. ندعو الله أن يُعيد العرب إلى القراءة، فإذا بنا نقرأ "منشورات" تبدأ بـ "أتحداك ألا تضغط لايك"، وننتهي بيومنا وقد قرأنا كلّ شيء إلا الحقيقة. ندعو بالسلام، بينما نوقد "حروباً" ضارية في التعليقات. ندعو بالرزق الحلال، ونحن نبتلع "لقمة" الضعيف بابتسامةٍ ورعة. ندعو: "اللهم بارك لنا في جمعتنا". فبارك الله لنا فيها، إلى درجة أننا نجتمع في الغرفة الواحدة عشرة أشخاص، يربطنا "راوتر" واحد، وتفرّقنا آلاف الشاشات الصامتة. ندعو الله أن يحفظ الود، بينما نراقب بِنهم "يوميات" الآخرين لنرى هل هم أتعس منّا أم نالوا نصيباً من رغدٍ نحسدهم عليه؟

لقد استبدلنا "الحياة" بـ "الإعجاب"، وأصبح الطفل يعرف كيف يفكُّ شفرة الشاشة قبل أن يدرك كيف يربط حذاءه! ندعو الله أن يستمتع أطفالنا بالحياة الفطرية؛ بالتراب، بالشجر، وبألعابنا الشعبية القديمة. ثم في أوّل نوبة بكاء للطفل، نحشو فمه بـ "آيباد" يغني له "جوني جوني يس بابا".

نحن ندعو الله لكي يحلَّ معضلاتٍ كان بوسع ضميرِ مسؤولٍ واحد، أو مكنسةٍ يدوية، أو قليلٍ من المنطق، أن تحلّها في دقائق

كنا ندعو: "اللهم لا تسلّط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا"، والمصيبة الكبرى أننا أحياناً نكون نحن هؤلاء الأشخاص الذين لا يرحمون أنفسهم! يا رب، إن كنا قد دعوناك طويلاً بأن "تغيّر حالنا"، فربما لأننا نسينا وعيدك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم﴾.

في بداية هذا العام، لا أملك إلا دعاء "الناجي الأخير": اللهم ارفع عنا غلاء الأسعار، وبلاء الغباء، ووباء النفاق.. وطبطب علينا، فليس لنا غيرك يتحمّل سخافاتنا ويسمع شكوانا التي نعرف يقيناً أنّ حلّها في أيدينا، ولكننا نفضّل الدعاء! اللهم إنّا نعوذ بك من "زمن التريند" الذي جعل التافه إماماً، ومن "عصر الذكاء الاصطناعي" الذي كشف عورة غبائنا الفطري. اللهم باعد بيننا وبين "المجموعات العائلية" التي يُوزّع فيها النفاق بالملعقة، واجعلنا ممن يقرؤون الكتب لا "المنشورات"، واجعل لنا في قلوبنا "مساحة ركن" واسعة لسكينتنا، وفي عقولنا "مصفاة" تمنع دخول الهراء. اللهم ارزقنا رصيفاً لا يحتله بائع، وشارعاً لا تغرقه مياه الصرف التي غدت أوفى من الأصدقاء؛ فلا تغادرنا أبداً.

وأخيرًا، اللهم لا تجعل دعاءنا هذا "نسخاً ولصقاً" يُنشر في كلّ محفل من دون أن يغيّر فينا شعرة، بل اجعله صفعةً على وجوهنا لنستيقظ أو "طبطبة" رقيقة على أكتافنا لنحتمل.. إنّك على كلّ شيءٍ قدير.