صراع الرايات
سلوى زكزك
هل يمكن الوصول إلى دولة تعاقدية تجمع وتساوي بين جميع مواطنيها ومواطناتها في ظلّ صراع علني حاد بين الرايات المُتعدّدة؟
يفرض هذا السؤال نفسه بقوّة، لا للحصول على إجابة مُرضية أو عادلة، حيث الإجابات مختلفة باختلاف السياق العام والتجارب الخاصة بالتجمعات، كلّ حسب اختلافه، وكلّ حسب رؤيته أو مقدرته على الانخراط ببناء آليات التعاقد وصوغها.
وغالباً ما يُبحَث عن إجابات مُستعجلة أو مقاربات ارتجالية بدافع الخوف وبدوافع ذاتية فرضتها حالة مركزية من التجاهل أو الإقصاء، أو عبر قرار غير مُعلن بالتغييب أو الحسم بعنف جسيم ومبالغ به، وكلّ ما سبق يحصل بمعزل عن الاحترام أو الاعتراف بالحقّ في التنوّع والاختلاف واعتباره مكوّناً رئيسياً وأساسياً من الدولة التعاقدية. يُطرَح سؤال الدولة التعاقدية في مواجهة الهروب من خطر صراع مُحتمل أو واقع بحكم فرط القوّة رغبة بتلمّس تأكيدٍ ما. مهما كان ضئيلاً، يضمن أنّ صراع الرايات الذي بات محتوماً لن ينهي كلّ العوامل والإمكانيات للوصول إلى دولة وطنية تعاقدية.
حين تغيب الدولة، يتوجّب (تعويضاً عن غيابها) وجود مجتمع قادر على تنظيم اختلافه، أو بمعنى مباشر وجود مجتمع قادر على لجم صراع الرايات التي يعتبرها البعض تمثيلاً للتعدّد المُتنوّع. كذلك لا يمكن دمج الناس داخل الدولة قسراً من دون الاعتراف بتعدّدهم ومن دون وضع ضمانات لاحترام هذا التنوّع وحمايته.
قد تتحوّل الهُويّات الخائفة إلى سجون مؤبّدة غير قابلة للاختراق
إن فشل الدولة في حماية الناس بشكل متساوٍ يساهم في خلق دوافع حماية ذاتية أو استنهاض دوافع كامنة مثل الجغرافيا واللغة واللون والعرق أو التاريخ. لذلك قد تتحوّل الجماعات إلى إعلان خوض الحرب بدافع الخوف، فتصبح الهوية أو الراية المختلفة درعاً مؤقّتة للحماية، وربما إلى الاصطفاف الدائم، ما يحوّل هذه الهُويّات الخائفة إلى سجون مؤبّدة غير قابلة للاختراق، ولا للفرز، ولا حتى للتفاوض حول بنيتها وجدوى وجودها.
الشرط الأساسي لبناء الهوية التعاقدية هو اللاقسرية، والعلاقة الواضحة بين الدولة والمجتمع، على أن تكون مُعلنة ومؤطّرة دستورياً، ومحمية بالقانون، ومُتضمّنة للمواطنة كآلية تعاقدية تساوي بين جميع الأطراف في المشاركة في إدارة التعدّد وإغناء التنوّع.
إنّ التحكّم في إدارة التنوّع والاختلاف لا يعني التسلّط من طرف قوي ومُهيمن بداعي الأغلبية العددية أو الوصول إلى السلطة، بل هو بعدٌ مؤسّسٌ للدولة وليس بعداً مقوّضاً للمواطنة الكاملة الفعالة أو مُغيِّباً لأيّ طرف من الأطراف. لذلك، إنّ فشل الدولة في أن تكون إطاراً عادلاً وجامعاً يبني صراعاً حاداً ما بين الدولة والهوية الوطنية، بتنوّعها واختلافها، بحيث يُغيّب الصراع سؤال الهُويّة أو التوافق الجمعي حول هُويّة الدولة التي تتحوّل بسبب غياب العقد الاجتماعي إلى صراع ما بين الانتماءات، ما يؤدي إلى كشف كلّ الهويات المُختلفة عن رايات مُتناحرة تلجأ إلى الصراع في ردّ فعل حمائي مُنغلق.
فشل الدولة في أن تكون إطاراً عادلاً وجامعاً يبني صراعاَ حاداً ما بين الدولة والهُويّة الوطنية، بتنوّعها واختلافها
في حرب الرايات المُتصارعة، وإن تمّت الغلبة فيها لشبح الدولة ذات السلطة وصاحبة القوّة الحاسمة، يتحوّل الجميع نحو محاولات لإلغاء الآخر، فيبلغ الصراع مرحلة العجز غير القادر على الحسم أو الشراكة، ليقع في فخ الانغلاق والعزلة والاستنكاف القهري عن المشاركة في إدارة الاختلاف من أجل تحقق الدولة التعاقدية.
في حروب الرايات، تغيب الأسئلة، وتُغلَّب الإجابات الحاسمة على ما لا يجري السؤال عنه ولا عن كيفية إدارته أو المناورة معه، وتتحوّل الشكوك المذعورة إلى دريئة للتصويب على الآخر، أي آخر، فقط لأنه مختلف ولأنّه متنوّع، وهنا تفوز الحقيقة الخائبة والمُراوغة، التي تستند إلى ضرورة إخضاع كلّ مختلف بمنطق القوّة، وأنّ خير القوّة هي تلك القابضة على التنوّع وكأنه العائق الأساسي لتكوّن الهُويّة الجامعة.