الاستثمار قناعاً جديداً للاحتلال والاستعمار في سورية
لم يكن رحيل النظام العربي السوري السابق نهايةً لحقبة سياسية فحسب، بل كان إعلاناً عن انتقال البلاد إلى مرحلة جديدة تتغير فيها أدوات السيطرة أكثر مما تتغير أهدافها. فالتاريخ السياسي لا يعرف الفراغ، بل يعيد إنتاج موازين القوة بأشكال مختلفة. وما كان يُمارس بالأمس تحت عنوان الاحتلال والاستعمار العسكري، بات اليوم يُدار بمنطق الاستثمار وإعادة الإعمار والشراكات الاقتصادية والضمانات الأمنية. إنها ليست نهاية الهيمنة، بل تحوّلها من سلطة البندقية إلى سلطة رأس المال، ومن إدارة الأرض بالقوة إلى إدارة المستقبل بالعقود.
لقد نشأ المفهوم الكلاسيكي للاستعمار على فرض السيطرة المباشرة على الأرض والإنسان والثروة، بينما يقوم مفهوم الاستثمار السياسي المعاصر على بناء منظومة من الاعتماد المتبادل، تجعل الدولة الخارجة من الحرب عاجزة عن الانفكاك عن القوى التي موّلت إعادة إنتاجها. وهنا تكمن المفارقة؛ فالاستثمار، بوصفه نشاطاً اقتصادياً مشروعاً في الظاهر، قد يتحول إلى أداة لإعادة تشكيل السيادة الوطنية وفق مصالح الفاعلين الدوليين والإقليميين، من دون الحاجة إلى رفع أعلام الاحتلال أو نشر جيوش ضخمة على كامل الجغرافيا.
وفي الراهن السوري، يبدو هذا التحول أكثر وضوحاً من أي تجربة أخرى، فالقوى الدولية والإقليمية المنخرطة في الملف السوري لم تعد تتنافس على خرائط النفوذ العسكري فحسب، بل على خرائط الاقتصاد والطاقة والممرات التجارية وإعادة الإعمار وإدارة الموارد الطبيعية. لقد تغيرت لغة الصراع؛ فبدلاً من الحديث عن مناطق السيطرة، أصبح الحديث يدور حول مناطق الاستثمار، وبدلاً من الإمساك بالمدن، أصبح الرهان على التحكم في سلاسل الإنتاج والموانئ والحدود والأسواق.
تدرك الولايات المتحدة في عهد دونالد ترامب والدول الغربية أن النفوذ الدائم لا يتحقق بالوجود العسكري وحده، وإنما ببناء اقتصاد مرتبط بمنظومة مالية وسياسية تجعل أي بناء سوري مقبل مضطراً إلى التكيف مع الشروط الدولية في مجالات الطاقة والعقوبات وإعادة الاندماج في المنظومة العالمية. أما روسيا، التي دفعت كلفة عسكرية وسياسية باهظة في دعمها العسكري للنظام العربي السوري السابق للحفاظ على نفوذها، فإنها تسعى في المرحلة الراهنة إلى تحويل تلك الكلفة أيضاً إلى عائد اقتصادي طويل الأمد، عبر العقود الاستراتيجية والاستثمارات والبنية التحتية في الساحل السوري، بحيث يصبح وجودها أقل اعتماداً على القوة العسكرية وأكثر ارتباطاً بالمصالح الاقتصادية.
نشأ المفهوم الكلاسيكي للاستعمار على فرض السيطرة المباشرة على الأرض والإنسان والثروة، بينما يقوم مفهوم الاستثمار السياسي المعاصر على بناء منظومة من الاعتماد المتبادل
وفي المقابل، تبدو تركيا نموذجاً مختلفاً للاستثمار الجيوسياسي، إذ يتجاوز حضورها الإمبراطوري اعتباراتها الأمنية التقليدية، ليصل إلى إعادة تشكيل الفضاء الاقتصادي والاجتماعي والديمغرافي في الشمال السوري، من خلال التجارة والخدمات والبنية التحتية والثقافية والتعليمية واللغة، وربط الأسواق المحلية بالاقتصاد التركي. وهنا يصبح الاستثمار امتداداً للنفوذ، لا مجرد نشاط اقتصادي منفصل عنه. بينما تنظر قوى إقليمية أخرى إلى هذه الساحة باعتبارها فرصة لإعادة توزيع النفوذ المذهبي أو الديني أو الإثني أو الاقتصادي داخل الشرق الأوسط، عبر تمويل مشاريع إعادة الإعمار أو الاستثمار في قطاعات النقل والزراعة والاتصالات. فالدولة التي خرجت من حرب طويلة امتدت إلى 14 سنة، تصبح، بحكم هشاشتها، ساحة مفتوحة لرأس المال السياسي قبل أن تكون ساحة لرأس المال الاقتصادي.
وفي هذا السياق، لا يقتصر الاستثمار في مرحلة ما بعد الحرب على البنية التحتية أو الموارد الطبيعية، بل يمتد بعمق إلى الاستثمار في البنية الاجتماعية والسياسية القادرة على إنتاج الاستقرار وإضفاء الشرعية على النظام الجديد. ومن هذا المنظور، تبدو التيارات الإسلامية، بمختلف اتجاهاتها وتناقضاتها واختلافاتها وحواضنها الاجتماعية، إحدى أكبر القوى المجتمعية التي يمكن تنظيمها والتعويل عليها في سورية، بما تمتلكه من امتداد أيديولوجي محلي وإقليمي، وحضور داخل قطاعات واسعة من المجتمع السوري.
ولذلك؛ ترى الولايات المتحدة والدول الغربية وروسيا وتركيا، وغيرها من القوى ذات المصالح، أن بناء أي ترتيبات سياسية أو اقتصادية طويلة الأمد يقتضي التعامل مع هذه الكتلة الاجتماعية الكبيرة وإدماجها، بدرجات متفاوتة، في معادلة الحكم والاستقرار. وهو توجه لا ينطلق من توافق أيديولوجي بالضرورة، وإنما من اعتبارها فاعلاً واقعياً يصعب تجاوز تأثيره في إعادة تشكيل الدولة والمجتمع السوري.
وفي ضوء هذا التصور، يصبح دعم هذه التيارات وحاضناتها، أو احتواؤها أو توظيفها، جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى إنتاج دولة أكثر قابلية للاستمرار وأقل عرضة للانهيار، بما يوفر بيئة مستقرة لحماية المصالح الاقتصادية والعسكرية والجيوسياسية لتلك الدول. فالقوى الدولية لا تبحث عن شركاء سياسيين عابرين فحسب، بل عن قواعد اجتماعية حية تمتلك القدرة على ترسيخ التوازنات الجديدة وضمان استمرارها في الميدان.
ومن ثم، فإنّ الاستثمار في الفاعلين الاجتماعيين والكتل البشرية المنظمة لا يقل أهمية عن الاستثمار في الموانئ وحقول الطاقة والطرق، لأنّ السيطرة على المجال الاجتماعي قد تكون أكثر تأثيراً واستدامة من السيطرة على المجال العسكري، ولأنّ النفوذ طويل الأمد يُبنى، في نهاية المطاف، على القدرة على إنتاج شرعية داخلية تتقاطع مع المصالح الخارجية، فتغدو البنية الاجتماعية ونخبها المحلية جزءاً من معادلة إعادة إنتاج النفوذ الدولي، تماماً كما هي العقود الاقتصادية والتحالفات الأمنية.
غير أنّ الخطأ يكمن في الاعتقاد بأن هذا التحول يمثل انتقالاً من الصراع إلى السلام، فالاستثمار في السياقات الجيوسياسية ليس نقيضاً للهيمنة، بل هو صورتها الأكثر تطوراً. فالاستعمار القديم كان ينتزع الثروة بالقوة المباشرة، أما الاستثمار السياسي فينتزع القرار الوطني عبر الحاجة الاقتصادية والاعتمادية الاجتماعية. وما يفرضه السلاح في زمن الحرب، قد تفرضه الديون والعقود وشبكات التحالف الاجتماعي في زمن السلم.
إن الفلسفة السياسية المعاصرة لم تعد تنظر إلى الهيمنة بوصفها احتلالاً عسكرياً ظاهراً فحسب، بل باعتبارها قدرة على إنتاج التبعية داخل البنية الاقتصادية والاجتماعية للدولة. ولهذا؛ فإنّ مفهوم السيادة لم يعد مرتبطاً فقط بخروج القوات الأجنبية من الأراضي الوطنية، وإنما بقدرة الدولة على اتخاذ قراراتها السيادية بعيداً عن الإملاءات الخارجية. وإذا كانت الجيوش قد احتلت الأرض في الماضي، فإن الشركات العابرة للحدود، والتوازنات المجتمعية المصممة دولياً، تحتل القرار في الحاضر.
فلسفة السياسية المعاصرة لم تعد تنظر إلى الهيمنة بوصفها احتلالاً عسكرياً ظاهراً فحسب، بل باعتبارها قدرة على إنتاج التبعية داخل البنية الاقتصادية والاجتماعية للدولة
وربما تكمن خصوصية المشهد السوري الراهن في أن جميع الفاعلين يتحدثون اليوم بلغة التنمية والاستقرار وإعادة البناء، بينما يحمل كل مشروع اقتصادي واجتماعي في داخله تصوراً مختلفاً لشكل الدولة المقبلة. فالموانئ لن تكون مجرد منشآت بحرية، والقوى الاجتماعية لن تكون مجرد كتل أو كيانات بشرية محلية، والطاقة لن تكون مجرد مورد اقتصادي، بل إنها جميعاً أدوات لإعادة رسم موازين القوة لعقود سورية قادمة.
إن التحدي الحقيقي أمام سورية بعد سقوط النظام السابق لا يتمثل في إعادة بناء المؤسسات أو ترميم الاقتصاد فحسب، بل في تجنّب الوقوع داخل شبكة جديدة من التبعيات المركبة التي قد تجعل الاستقلال السياسي مجرد عنوان أو شعار يُسوَّق إعلامياً فقط. فالدول الخارجة من النزاعات غالباً ما تنتقل من التبعية الأمنية إلى التبعية الاقتصادية والاجتماعية، ومن الارتهان للقوة العسكرية إلى الارتهان للأسواق والتمويل وهندسة ديمغرافيا المكونات المحلية.
ولهذا؛ فإنّ السؤال الجوهري لا يدور حول من يسيطر على الأرض عسكرياً، وإنما حول من يمتلك القدرة الفعالة على تشكيل مستقبل الدولة في سورية. فالاحتلال المعاصر لا يحتاج دائماً إلى دبابة تقف عند بوابة العاصمة، بل قد يكتفي بعقد استثمار يمتد نصف قرن، أو بميناء يُدار من الخارج، أو بكتلة اجتماعية محلية ترتبط مصالحها وبقاؤها بمصالح الخارج. إن الاستعمار، في صورته الجديدة، لم يختفِ، بل غيّر لغته وأدواته، واستبدل الخوذة العسكرية وربطة العنق بإدارة المصالح، واستبدل إدارة المستعمرات المباشرة بإدارة النفوذ عبر السلطات المحلية غير المباشرة، بينما بقي جوهر الاحتلال والاستعمار واحداً في كل الحقب التاريخية، وهو أن من يملك صياغة الاقتصاد والمجتمع يملك، بالضرورة، صناعة السياسة وكتابة مستقبل الأمم.