دولة الاستعراض: المشاريع الكبرى أم الإنسان؟

03 اغسطس 2026
+ الخط -

تطرح التطورات الأخيرة في منطقة شمال أفريقيا، وتحديداً مشاهد النزوح الجماعي للشباب قبالة الشريط الساحلي الفاصل بين مدينتي الفنيدق وسبتة، بالتزامن مع الاستعدادات الدولية المكثفة لاستضافة استحقاقات كروية كبرى، وفي مقدمتها "مونديال 2026"، أسئلة عميقة تتجاوز التوصيف الإخباري الآني إلى إعادة تفكيك بنية النموذج التنموي العربي.

لسنا أمام مجرد حوادث عبور فردية غير نظامية، بل أمام مفارقة بنيوية تتكرر في أكثر من مجتمع عربي: دولة تسرّع خطاها نحو التسويق الخارجي وبناء صورة دولية صاعدة، في مقابل مجتمع يرزح تحت وطأة التهميش، وانعدام الفرص، واستنزاف الثقة في أفق العيش الكريم.

أولاً: صناعة الواجهة... الاستثمار في الصورة لا في الإنسان

تعتمد نماذج التحديث المعاصرة في العديد من دول الجنوب على مفهوم "اقتصاد الاستعراض" (Economy of Spectacle)، وهو نموذج يمنح الأولوية للمشروعات كثيفة رأس المال والموجّهة إلى الخارج، مثل الملاعب العالمية، والقطارات فائقة السرعة، والموانئ اللوجستية، واستضافة الفعاليات الدولية.

ويهدف هذا التوجه أساساً إلى:

  • تعزيز الشرعية الدولية، وإبراز الدولة بوصفها شريكاً موثوقاً وقادراً على إدارة الفعاليات العالمية.
  • استقطاب الاستثمارات والسياحة، وبناء هوية تسويقية (Nation Branding) قائمة على الحداثة العمرانية والانضباط المؤسسي.

غير أن الأزمة البنيوية تكمن في أن هذا "الصعود العمراني" غالباً ما يسير في مسار موازٍ ينفصل عن واقع التنمية البشرية. فعندما تُضخ المليارات في البنية التحتية المرتبطة بالحدث الخارجي، بينما تعاني القطاعات الحيوية المرتبطة بالحياة اليومية للمواطن، كالتعليم والصحة وسوق العمل، من اختلالات مزمنة، تتحول تلك الإنجازات من مصدر للفخر الوطني إلى عامل يعمّق الإحباط ويزيد الشعور بالهشاشة الاجتماعية.

ثانياً: الهجرة بوصفها "اقتراعاً بالأقدام"... سيكولوجية الرفض الصامت

في التحليل السياسي، يُطلق مصطلح "الاقتراع بالأقدام" (Voting with Your Feet) على الحالات التي يفقد فيها الأفراد ثقتهم بالحلول السياسية والمؤسساتية، فيعبّرون عن موقفهم بالمغادرة الجغرافية.

إن مشاهد الشباب والأسر الذين يخوضون مغامرة السباحة عبر البحر نحو سبتة لا يمكن تفسيرها بمنظور أمني محض، أو بإرجاعها إلى "الشائعات الرقمية" وحملات التحريض. فالسباحة نحو المجهول تمثل المحصلة النهائية لمعادلة قاسية يقارن فيها الفرد بين:

  1. كلفة الخطر المباشر، والمتمثلة في احتمال الغرق.
  2. كلفة اليقين الممتد، والمتمثلة في الموت الاجتماعي والنفسي الناتج عن البطالة، وانسداد آفاق الحراك الاجتماعي.

وحين ترجح كفة البحر لدى آلاف الشباب، فإن الرسالة تتجاوز مجرد البحث عن دخل أفضل، لتصبح إعلاناً عن أزمة تنموية عميقة، يتراجع معها الخوف من الموت المادي أمام وطأة الموت الرمزي اليومي.

ثالثاً: تآكل العقد الاجتماعي... الرمزية في مواجهة الكرامة

تعتمد الدول، في كثير من الأحيان، على الرصيد الرمزي المتمثل في الاحتفالات الوطنية، والإنجازات الرياضية، والمناسبات الكبرى لتعزيز التماسك المجتمعي. إلا أن العلوم السياسية تؤكد أن الشرعية الرمزية لا تستطيع أن تؤسس لاستقرار دائم إذا انفصلت عن الشرعية القائمة على الإنجاز الملموس.

ويقوم العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن على معادلة واضحة:

  • توفير الأمن الشامل، بما يشمل الأمن الغذائي، والوظيفي، والإنساني.
  • مقابل منح المواطن ثقته وانتماءه واستقراره داخل الفضاء الوطني.

وعندما يختل هذا العقد، تتحول المناسبات الاحتفالية، في نظر الفئات الهشة والمهمشة، من فرصة للالتفاف الوطني إلى ستار يخفي الاختلالات البنيوية. فاستعراض القوة والإنجازات على المنصات الدولية لا يعوض أسرة تعجز عن توفير العلاج أو تأمين مستقبل أبنائها، بل قد يعزز شعورها بأن الدولة تهتم بصورتها الخارجية أكثر من اهتمامها بواقع مواطنيها.

رابعاً: المقاربة الأمنية وكلفة تغييب الحلول البنيوية

أثبتت التجارب الميدانية أن الاعتماد الحصري على المقاربة الأمنية، وتشديد الرقابة الحدودية، وتعزيز الانتشار على السواحل، لا يحل أزمات الهجرة، بل يؤجلها ويجعلها أكثر تعقيداً ودرامية.

فالمقاربة الأمنية تعالج الأعراض ولا تلامس الأسباب؛ إذ تتعامل مع المهاجرين باعتبارهم تهديداً أمنياً ينبغي احتواؤه، بدلاً من النظر إليهم بوصفهم مخرجات لأزمة تنموية تستدعي معالجة جذورها. كما أن إدارة الأزمات الاجتماعية بمنطق البلاغات الأمنية تزيد من الاحتقان، وتوسع فجوة الثقة بين الأجيال الجديدة ومؤسسات الدولة.

نحو إعادة تعريف القوة الوطنية

ليس المقصود التقليل من أهمية الطموح الدولي للدول، ولا الدعوة إلى وقف المشروعات العمرانية أو الرياضية الكبرى؛ فالتحديث خيار استراتيجي لكل دولة تسعى إلى تعزيز مكانتها.

الدرس الذي ترسمه قوارب الهجرة وأجساد الشباب على سواحل المتوسط يتمثل في أن قوة الدول لا تُقاس بارتفاع مدرجات الملاعب بل بقدرتها على صناعة الأمل داخل حدودها

غير أن الدرس الذي ترسمه قوارب الهجرة وأجساد الشباب على سواحل المتوسط يتمثل في أن قوة الدول في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس بارتفاع مدرجات الملاعب، ولا بفخامة منصات الافتتاح، بل بقدرتها على صناعة الأمل داخل حدودها، وتمكين المواطن من رؤية مستقبله جزءاً من مستقبل وطنه.

فحين يصبح الحلم خارج الحدود هو السبيل الوحيد للنجاة، فإن الحل لا يبدأ من تشديد الحراسة على الشواطئ، بل من إعادة ترتيب الأولويات التنموية، وجعل الكرامة الإنسانية للمواطن المعيار الأول لأي نجاح سياسي أو اقتصادي.