خلاف أميركي أوروبي بشأن مستقبل أوكرانيا
عُقًدت جولة جنيف في 23 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 وسط أجواء حذرة، تبدو وكأنّها محاولة غربية لإعادة ضبط المواقف تجاه الحرب في أوكرانيا أكثر مما هي خطوة لصياغة اتفاق سلام نهائي. الاجتماع جمع وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، ورئيس الوفد الأوكراني، أندريه يرماك، وممثلي فرنسا وألمانيا وبريطانيا، وخرجت التصريحات الدبلوماسية المُعلنة إيجابية نسبياً "تقدّم جيد"، "اجتماع أكثر إنتاجية" لكن الواقع أظهر أنّ التوتّر كان مستمرّاً، وأنّ الخلافات كانت أعمق من العبارات الرسمية.
منذ البداية بدا أنّ الأوروبيين لا يسعون لتجميل الخطّة الأميركية، بل لإعادة هندستها. في النسخة الأميركية التي قدّمتها إدارة دونالد ترامب، كان حجم الجيش الأوكراني في زمن السلم مُقترحاً عند 600 ألف جندي، بينما دفع الأوروبيون برفعه إلى 800 ألف، في تعديل اعتُبر أكثر من مجرّد تفصيل تقني. مسؤول فرنسي اختصر الفكرة بقوله: جيش أصغر يعني دولة أضعف، ودولة أضعف تعني اتفاقاً لا يعيش. وهو تعبير عن إدراك أنّ الأمن الأوكراني مرتبط مباشرة بالأمن الأوروبي.
وتدعم الأرقام هذا التحفّظ، فالتقديرات العسكرية الأميركية لشهر سبتمبر/ أيلول 2025 تشير إلى أنّ روسيا لا تزال تحتفظ بما بين 420 ألفاً و450 ألف جندي في محيط الجبهات، ما يجعل أيّ تقليص كبير للقوّة الأوكرانية وصفة لاتفاق هشّ أكثر من كونه تسوية مُستدامة. ويخشى الأوروبيون أن تكون واشنطن مهتمة بالإنجاز السياسي السريع داخلياً على حساب المتانة الاستراتيجية للنص، كما أشار دبلوماسي ألماني: أوروبا هي التي ستعيش مع نتائج الاتفاق، لا الولايات المتحدة.
حدود على الورق وضمانات أوكرانيا غائبة
التحفّظ الأوروبي لم يقتصر على حجم الجيش، بل امتدّ إلى فكرة تبادل الأراضي. فبينما بدت المسودة الأميركية وكأنّها تقترح تثبيت مناطق السيطرة الروسية، أعادت النسخة الأوروبية تحديد خطّ الانطلاق من خطوط التماس الحالية وليس من الوقائع التي فرضتها القوّة. وقد رحبّت كييف بهذا التعديل بحذر، إذ لطالما رفضت تحويل الخسائر الميدانية إلى مكاسب دبلوماسية لروسيا. أحد مستشاري الوفد الأوكراني قال: ما نناقشه ليس رسماً للحدود بل رسم لمستقبل الدولة.
كما كشفت المحادثات عن اختلاف جذري في وجهات النظر بين ضفتي الأطلسي. فالإدارة الأميركية مستعجلة لتقديم إطار "منجز" قبل نهاية العام، بينما يدفع الأوروبيون نحو نظام ضمانات أمنية مشابه للمادة الخامسة من ميثاق الناتو، يُفعّل تلقائياً عند أيّ اعتداء روسي جديد. الأوروبيون يعتبرون أيّ تسوية بلا ضمانات واضحة مجرّد هدنة تسمح لموسكو بإعادة التموضع، وهو شعور مُستند إلى التجارب السابقة بين 2014 و2022، حين فشلت أكثر من أربعة تفاهمات لوقف النار.
يخشى القادة الأوكرانيون أنْ أي تنازل كبير قد يفتح الباب لأزمة داخلية
رغم إشادة كييف بالتعديلات الأوروبية واعتبارها أنها تعكس "معظم الأولويات الأساسية"، إلا أنّ القلق الأوكراني لم يتراجع. الاتفاق يحتاج إلى جدول زمني واضح، وآلية تنفيذ قابلة للقياس، وضمانات صارمة لتجنّب أيّ استغلال من موسكو. كما يخشى القادة الأوكرانيون أنّ أيّ تنازل كبير قد يفتح الباب لأزمة داخلية، خصوصاً أنّ نحو 62% من المواطنين في أوكرانيا يرفضون التخلّي عن الأراضي تحت الضغط.
بين البيت الأبيض وأوروبا: سلام هش وأمن معلّق
التعقيد الداخلي في الولايات المتحدة يزيد المشهد التباساً. فالرئيس ترامب يريد تقديم الاتفاق على أنه إنجاز شخصي لإثبات قدرته على "إعادة النظام إلى أوروبا"، بينما يعارض جزء كبير من الكونغرس أيّ صيغة قد تُفسّر تنازلا لموسكو. هذه الهوّة بين البيت الأبيض والكونغرس تجعل التفاهم مع أوروبا أكثر صعوبة وتَحدّ من مرونة واشنطن في صياغة التسوية.
جنيف تمثّل خطوة مهمّة لكنها غير حاسمة، والسيناريوهات مفتوحة: اتفاق سريع بمضمون هش، أو نسخة أوروبية-أوكرانية أكثر صلابة، أو فشل يُعيد الأمور إلى مربّع التصعيد. ما أثبتته المحادثات هو أنّ الخلاف لم يعد حول مستقبل الحرب فقط، بل حول من يملك حقّ رسم مستقبل الأمن الأوروبي: واشنطن بقراراتها الداخلية أم أوروبا الواقعة على خطّ النار مباشرة.
في الخلاصة، خطّة السلام الأميركية والأوروبية بشأن أوكرانيا تبقى إطاراً أولياً يحتاج إلى ضبط دقيق قبل أن يتحوّل إلى اتفاق قابل للحياة. فالسلام لا يُصنع بالنصوص وحدها، بل بموازين القوّة، والضمانات، والالتزام. ما دامت هذه العناصر متقلّبة وغير مستقرّة، فإن كلّ تقدّم معلن قد يكون مجرّد بداية لجولة جديدة بين الدبلوماسية والواقع. السؤال الأهم اليوم ليس فقط عن تقدّم محادثات جنيف، بل عن قدرة الغرب على إنتاج تسوية تردع روسيا، وتحمي أوكرانيا، وتضمن لأوروبا أمناً حقيقياً لا يقوم على الورق وحده.