خطّة ترامب لغزّة: إنهاء للحرب أم تمهيد لوصاية دولية؟
لم يكن اعتماد مجلس الأمن للخطّة الأميركية الخاصة بقطاع غزّة خطوة تقنية على طريق إنهاء حربٍ استمرّت عامين، بل تحوّلا سياسيا يُعيد تشكيل مركز القرار في القطاع. فالتسوية الجديدة تنقل إدارة الملف من ساحة المواجهة العسكرية إلى صيغة وصاية دولية (سياسية وأمنية) تقودها واشنطن من خلال هيئة يتم الحديث عنها باسم "مجلس السلام"، وهو إطار يُتوقَّع أن تلعب الإدارة الأميركية، برئاسة دونالد ترامب، الدور المركزي فيه، سواء من حيث التمويل أو الرقابة أو القرار.
على الورق، تقترح الخطّة طريقاً للخروج من الحرب: وقف إطلاق النار، إطلاق الأسرى والرهائن، وإطلاق مرحلة إعادة إعمار واسعة. لكنها في الجوهر تنشئ سلطة انتقالية لا تستمد شرعيتها من الفلسطينيين بقدر ما تستند إلى التفويض الدولي، فيما تُقصَى حماس بشكل كامل عن الحكم، وتُعامَل السلطة الفلسطينية باعتبارها "مرشّحة" للعودة بعد استكمال إصلاحات يُحدِّد المجتمع الدولي شروطها وتوقيتها. وبين الطرفين، يظهر كيان دولي يمتلك سلطة فعلية على الحوكمة والمال والقرار الأمني، وهو ما يجعل إدارة غزّة مُرتهنة عملياً لمعادلات خارجية أكثر مما هي لخيارات داخلية.
سلطة انتقالية لا تستمدّ شرعيتها من الفلسطينيين بقدر ما تستند إلى التفويض الدولي، فيما تُقصَى حماس بشكل كامل
بهذا المعنى، لا تُعيد الخطّة ترتيب البيت الفلسطيني بقدر ما تُعيد رسمه من الخارج. وهي تمنح الولايات المتحدة نفوذاً مباشراً على مستقبل القطاع، في إطار "مرحلة انتقالية" يمكن أن تتحوّل إلى وضع دائم إذا تعثّرت الشروط أو لم تُستوفَ "المعايير الأمنية" المطلوبة.
نزع السلاح أولًا.. وإعمار مشروط بالكامل
قلب الخطّة ليس المسار السياسي ولا البعد الاقتصادي، بل نزع سلاح المقاومة. فالقوّة الدولية التي يمنحها القرار تفويضاً حتى نهاية 2027 ليست قوّة فصل تقليدية، بل جهاز أمني متعدّد الجنسيات مُكلَّف بمراقبة الحدود والمعابر، وتفكيك القدرات العسكرية للفصائل، وعلى رأسها حماس، وتدريب شرطة فلسطينية جديدة وفق معايير دولية، والإشراف على انسحاب تدريجي لقوات الاحتلال.
كلّ خطوة في إعادة الإعمار، من فتح المعابر إلى تشغيل الخدمات والمشاريع الكبرى، ستكون مرتبطة بتقارير أمنية دورية تُرفع إلى مجلس الأمن. بمعنى أنّ حياة السكان اليومية تصبح مشروطة بالتقدّم في ملف نزع السلاح. تقدّمُ العملية يعني تقدّم الإعمار؛ وتعثّرها يعني تجميده بالكامل.
كلّ خطوة في إعادة الإعمار، من فتح المعابر إلى تشغيل الخدمات والمشاريع الكبرى، ستكون مرتبطة بتقارير أمنية دورية تُرفع إلى مجلس الأمن
في الوقت نفسه، لا تلزم الخطّة الاحتلال بإنهاء حصاره البحري والجوي على غزّة، ولا بوقف الضمّ الزاحف في الضفة الغربية، ولا بتفكيك منظومة السيطرة العسكرية. الفلسطينيون يُطالَبون بتقديم كلّ عناصر القوة التي يملكونها، فيما يحتفظ الاحتلال بكلّ عناصر التفوّق والهيمنة.
ورغم حديث الخطة عن "استثمارات ضخمة" لإعادة إعمار غزّة، تبقى هذه الوعود خاضعة لمنطق "الاستقرار أولاً"، وهو تعبير غالباً ما يعني في الاستراتيجية الأميركية: الأمن الإسرائيلي قبل الحقوق الفلسطينية.
المسار السياسي.. بين التجزئة ووهم الدولة الممكنة
تنصّ الخطة على "مسار موثوق نحو دولة فلسطينية"، لكنها لا تقدّم التزاما واضحاً بإقامتها، ولا تحدّد جدولًا زمنيًا، ولا تربط هذا المسار بإنهاء الاحتلال أو وقف الاستيطان. ولهذا يخشى مراقبون أن تتحوّل الصياغة الفضفاضة إلى غطاءٍ لتفكيك القضية الفلسطينية إلى ملفات منفصلة:
(1): غزة: ملف أمني-اقتصادي تحت إشراف دولي مباشر.
(2): الضفة الغربية: تبقى تحت ضغط الاستيطان والضمّ المستمر.
(3): القدس واللاجئون: خارج سياق الخطة تماما.
هكذا يتحوّل المشروع الوطني إلى فسيفساء من المسارات المتوازية، كلّ واحد منها يتقدّم أو يتعثّر بمعزل عن الآخر. وهو ما يتقاطع عمليًا مع رؤية اليمين الإسرائيلي الذي يرفض الدولة الفلسطينية، لكنه يقبل ترتيبات تقنية في غزّة إذا ضمنت نزع السلاح واستمرار السيطرة الاستراتيجية.
يُطالَب الفلسطينيون بتقديم كلّ عناصر القوّة التي يملكونها، فيما يحتفظ الاحتلال بكلّ عناصر التفوّق والهيمنة
في مقابل ذلك، يجد الفلسطينيون أنفسهم أمام تحديين متلازمين: كيف يواجهون صيغة وصاية دولية تُقدَّم للعالم باعتبارها حلًا إنسانيًا؟ وكيف يمنعون تحويل غزّة إلى كيان منفصل، مُدار أمنيا، ومربوط بشروط "السلام الاقتصادي" أكثر منه بمسار التحرّر الوطني؟
بين زمن الوصاية وزمن التحرّر
تُنهي الخطة الأميركية الحرب شكليًا، لكنها لا تُنهي أسبابها. فهي تُبعد الاحتلال عن المشهد المباشر من دون أن تضع حدًا له، وتَعِد بمسار سياسي من دون تحديد معالمه، وتفتح باب الإعمار، لكنها تربطه بنزع السلاح وتطويع البنية الأمنية للقطاع.
اليوم، يقف الفلسطينيون أمام لحظة مفصلية: إمّا أن تتحوّل غزّة إلى نموذج تنموي بلا سيادة، تُدار من الخارج بشروط الأمن الدولي، أو تصبح هذه المرحلة نقطة بداية لإعادة بناء مشروع وطني موحّد يعيد للقضية مركزيتها وللفلسطينيين قدرتهم على صياغة مستقبلهم بأيديهم.
الفرق بين المسارين لن تحدّده قرارات مجلس الأمن وحدها، بل قدرة الفلسطينيين والعرب على تحويل ما بعد الحرب من لحظة وصاية.. إلى لحظة تحرّر.