خطاب المركز والهامش بين الغرب وأفريقيا

01 أكتوبر 2025
+ الخط -

منذ أن انطلقت موجات الاستعمار الأوروبي خلال القرن التاسع عشر والعشرين الميلادي (خصوصاً بعد مؤتمر برلين 1884-1885)، لم يكن الغرب قوّة عسكرية أو اقتصادية تُخضع الأراضي والشعوب فقط، إنما مركزًا يُنتج خطابًا عن ذاته وعن "الآخر". ففي هذا الخطاب، تَمثّل الغربُ باعتباره حاملًا للعقلانية، للحداثة، للتقدّم، في حين رُسمت أفريقيا بوصفها فضاءً للهامش: أرضًا "بكرًا"، مليئة بالغموض، غارقة في "البدائية" و"التخلّف". هذا الوصف لم يكن تعبيرًا عن تفوّق مزعوم فحسب، إنما آليةً فلسفية-سياسية تُؤسّس لتراتبية معرفية ووجودية، حيث يصبح "المركز" منتِجًا للمعنى، بينما يُختزل "الهامش" في كونه موضوعًا للمعرفة، لا ذاتًا فاعلة فيها.

في كتابه "الاستشراق"، يرى إدوارد سعيد أنّ "الشرق الذي يظهر في الاستشراق نظام من الصور التي تمثّله، والتي صاغتها مجموعة كبيرة من القوى، والتي أدخلت الشرق في مجال العلوم الغربية والوعي الغربي". أي أن الشرق في المُخيال الغربي لم يكن حقيقةً قائمة بقدر ما كان بناءً من الصور والتمثّلات أنتجته مؤسساتٌ معرفية وسياسية مُتشابكة، لتُدرجه داخل منظومة الفهم الغربي للعالم. بتعبير آخر، المركز لم يستخدم قوّته العسكرية فقط، بل مارس سلطةً معرفية أعادت تشكيل صورة الآخر بما يخدم مصالحه ورؤيته الثقافية والسياسية.

وقد تجلّت هذه الصورة في نصوص القرن التاسع عشر، مثل كتابات ديفيد ليفينغستون وهنري مورتون ستانلي، حيث وُصفت أفريقيا بأنها "القارة المظلمة" (Dark Continent) التي تحتاج إلى نور الحضارة الأوروبية. هذه السردية لم تكن خطابا بريئًا؛ فقد برّرت للبعثات التبشيرية، ومهّدت للتوغّل العسكري والاقتصادي، وحوّلت أفريقيا إلى موضوع في تقارير جغرافية وأنثروبولوجية تنظر إليها كما لو كانت مُختبرًا مفتوحًا للقوى الاستعمارية. علاوة على ذلك، نجد في نصوص الرحّالة والمبشّرين والمستعمرين أنّ أفريقيا صُوّرت كأرضٍ تنتظر أن يهبط عليها "الخلاص" من الخارج، وكأنّها بلا تاريخ أو هوية أو قيم...، وكأنّ وجودها مرهون باعتراف الآخر بها. هذه الرؤية رسّخت ما يمكن تسميته "ميتافيزيقا المركز": فكرة أنّ الغرب هو مركز العالم، معيار العقل والإنسانية، وأنّ ما عداه يكتسب قيمته بقدر ما يقترب من هذا المركز أو يتماهى معه.

تحوّل تصوير أفريقيا في نصوص الرحّالة والمبشّرين إلى مرآة للذات الأوروبية أكثر من كونه وصفًا لواقع القارة نفسها

أما فرانز فانون، فقد ذهب أبعد حين رأى أنّ الاستعمار لا يحتل الأرض وحدها، بل يحتل الوعي نفسه، إذ يقول في "معذّبو الأرض": "الاستعمار ليس غزوًا فقط… بل هو تشويه للروح، غرسٌ للدونية، وتجريد الإنسان من ذاته". هذا ما يفسّر كيف تحوّل تصوير أفريقيا في نصوص الرحّالة والمبشّرين إلى مرآة للذات الأوروبية أكثر من كونه وصفًا لواقع القارة نفسها، يكفي أن نقرأ تقارير الإدارة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر أو السنغال أو المغرب لنرى كيف صُوّر السكّان المحليون؛ إمّا كضحايا بحاجة إلى إنقاذ، أو كأعداء "متوحّشين" يبرّر وجودهم القمع العسكري.

لكن الهامش لم يتأخّر في الرد، فمع بروز حركات التحرّر الوطني في منتصف القرن العشرين، ظهر جيل من المفكّرين الأفارقة (مثل شيخ أنتا ديوب وكوامي نكروما) ليؤكّد أنّ أفريقيا ليست هامشًا تابعًا، إنما ذاتٌ تاريخية لها مركزها الخاص. ففي كتابه "أفريقيا ما قبل الاستعمار"، أعاد ديوب قراءة تاريخ مصر القديمة والحضارات النوبية ليبرهن أنّ أفريقيا كانت مهداً للعلم والفلسفة قبل الاستعمار الأوروبي بزمن طويل، مُتحدّيًا بذلك الأسطورة الغربية التي تصوّر القارة ككتلة صامتة بلا تاريخ. أما كوامي نكروما، في كتابه "الاستعمار الجديد آخر مراحل الإمبريالية"، كشف كيف استمرّت أشكال السيطرة الاقتصادية والثقافية بعد الاستقلال السياسي، مُعتبرًا أنّ التحرّر الحقيقي يتطلّب استقلال العقل قبل استقلال الأرض. هذا الخطاب أفرز حركات فكرية مثل "الزنوجة" مع ليوبولد سنغور، التي حاولت إعادة الاعتبار للهوية الأفريقية وقيمها الروحية والجمالية، في مواجهة تصوّر الغرب للحداثة كطريق أوحد للتقدّم والازدهار الحضاري.

يمكن للهامش أن يتحوّل إلى نقطة انطلاق، إلى فضاء لإبداع سرديات جديدة، وربما إلى مركزٍ من نوع آخر، لا يقصي أحدًا ولا يتغذّى على تهميش الآخرين

من ثمّة، يبرز السؤال الفلسفي العميق الذي صاغته غاياتري سبيفاك بحدّة في مقالها "هل يستطيع التابع أن يتكلم؟"، حين قالت: "حين ينطق التابع بلغة السيد، فإنه يكرّر حدود الخطاب ذاته الذي صمّمه السيد له". في السياق الأفريقي، يصبح هذا التحدّي مزدوّجًا: كيف ننتزع الاعتراف بإنسانيتنا وتاريخنا من دون أن نقع في فخّ تقليد المركز أو استجداء شرعيته؟

لقد حاول أشيل مبيمبي تقديم إجابة معاصرة في كتابه "ما بعد الاستعمار"، حيث يرى أنّ الما-بعد كولونيالية ليست رفضًا تامًا للغرب، ولا تبنّيًا كاملًا له؛ إنّها مفاوضة مع الحداثة من موقع الندّية، حيث يمكن لأفريقيا أن تعيد كتابة زمنها أو تاريخها الخاص. لذلك نجده يحلّل ظواهر معاصرة مثل الحروب الأهلية، وعولمة الاقتصاد، ووسائل الإعلام الجديدة، باعتبارها ساحات تُعاد فيها صياغة علاقة المركز بالهامش، ولكن بشروط جديدة تتجاوز النموذج الاستعماري التقليدي. والغاية من ذلك ليست استبدال مركز بمركز، بل كسر ثنائية المركز/الهامش نفسها، وفتح أفقٍ يتعدّى منطق التراتبية نحو تعدّد المراكز، نحو عالمٍ بلا هوامش.

في الأخير، يصبح خطاب المركز والهامش بين الغرب وأفريقيا ليس جدلًا تاريخيًا وحسب، إنما سؤال فلسفي عن الهوية، والسلطة، وإمكان الاعتراف المتبادل...، إنه حوارٌ لم يكتمل بعد، لأنّ بُنى الاستعمار ما تزال تتخفّى في الاقتصاد والثقافة والإعلام، ولأن العالم ما بعد الكولونيالية لم يتحرّر كليًا من أوهام المركزية الأوروبية. لكنّ أصوات أفريقيا، من فانون إلى مبيمبي، تذكّرنا بأنّ الهامش يمكن أن يتحوّل إلى نقطة انطلاق، إلى فضاء لإبداع سرديات جديدة، وربما إلى مركزٍ من نوع آخر، لا يقصي أحدًا ولا يتغذّى على تهميش الآخرين.