حرب الإبادة واستحقاق قاموس إعلامي عربي جديد
في زمن الإبادة، تهاوت كل المعايير الأخلاقية والإنسانية والقانونية، وبات العالم منفلتاً من الضوابط التي توافق عليها لعقود بعد الحرب العالمية الثانية. فمشاهد القتل الوحشي والإبادة التي طاولت كل شيء، مع إطلاق يد إسرائيل والدفاع عن خرقها للقوانين، أسقطت كل شيء، وبات العالم ومن شهد هذه المقتلة الكبرى بحاجة لمراجعة شاملة، من ضمنها مراجعة للمعايير الإعلامية والسياسات التحريرية التي لطالما اعتمدت في العالم العربي محددات وكالات دولية وقنوات عالمية باعتبارها: "المعايير الإعلامية الأكثر موضوعية ومهنية".
في زمن الإبادة، سقطت كل تلك المعايير؛ فلا يمكن أن تعني المهنية الانحياز للقاتل ضدّ الضحية، ولا يمكن أن تعني تبرير أو ترويج رواية من يمارس الإبادة. لا تعني مطلقاً المهنية أن يجري عمداً إخفاء الفاعل في جريمة القتل ونسبة الجريمة للمجهول: "قُتل مئةُ فلسطيني" بدل "قتلت إسرائيل مئةَ فلسطيني"، أو "قُصفت مستشفيات" بدل "قصفت إسرائيل مستشفيات". من قال إنّ المهنية تعني تكرار رواية جيش احتلال متورط في إبادة غير مسبوقة ورئيس حكومة مطلوب للجنائية الدولية!؟
وللتدليل على هذا الانحياز، كشفت مراجعة داخلية أجراها صحافيون في وكالة رويترز عن وجود "نمط ثابت من التغطية المنحازة" لصالح إسرائيل على حساب الرواية الفلسطينية، وسط جدل متصاعد بشأن سياسات التحرير في واحدة من أبرز وكالات الأنباء العالمية. وبحسب ما نقله موقع Declassified UK، حلّل موظفون في رويترز 499 تقريراً حول حرب الإبادة بين 7 أكتوبر/تشرين الأول و14 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وخلصوا إلى أن الوكالة خصصت موارد أكبر للأخبار المتعلقة بالإسرائيليين مقارنة بالفلسطينيين، وقال أحد الصحافيين المشاركين: "بعد أسابيع من هجوم 7 أكتوبر، أدرك كثير من زملائنا أن تغطيتنا تفتقر إلى الموضوعية".
وتجدد الجدل بعد اغتيال الصحافي الفلسطيني أنس الشريف بغارة إسرائيلية، إذ عنونت الوكالة خبر استشهاده: "إسرائيل تقتل صحافيّ الجزيرة الذي تقول إنّه كان قائداً في حماس"، ما أثار موجة انتقادات حادة من الجمهور وبعض موظفيها لأنّ ذلك تكرار للرواية الإسرائيلية الكاذبة.
هذا مثال من أمثلة عديدة يصعب حصرها عن انحياز الإعلام الغربي، خاصة في بدايات الإبادة. فقد ركّزت تلك الصحف والقنوات على "أنسنة" المواطن الإسرائيلي وتجريد الفلسطيني من إنسانيته، أو على الأقل تجنّب إظهار قصصه بوصفه إنساناً له عائلة وأحلام وأطفال وعواطف، والاكتفاء بذكره رقماً بلا اسم، كما أصرّ الإعلام الغربي على ربط كل المجازر في غزة بحدث السابع من أكتوبر، وكأنّ من حق إسرائيل قتل مليوني إنسان وتدمير أمة بأكملها كردّ فعل "طبيعي".
ظل الإعلام الغربي يتجنّب الإشارة إلى أصل المشكلة: الاحتلال. بل استمر في نفي حق الشعوب المحتلة في مقاومة محتليها
وظل الإعلام الغربي يتجنّب الإشارة إلى أصل المشكلة: الاحتلال. بل استمر في نفي حق الشعوب المحتلة في مقاومة محتليها، مقدماً الصراع وكأنه بدأ في 7 أكتوبر وليس منذ 15 مايو/أيار 1948 عند قيام دولة استعمار استيطاني على أنقاض شعب بأكمله وطرده واستعمال التطهير العرقي وسيلة لإبادته، كما يؤكد البروفيسور إيلان بابيه في كتابه الشهير التطهير العرقي في فلسطين. وبالمناسبة، بابيه يهودي، فلا مجال للتشكيك في موضوعيته.
وعليه؛ أخلص إلى مجموعة مقترحات أوجهها إلى الزملاء الإعلاميين العرب لمراجعة كثير من المصطلحات الإعلامية المعتمدة، والضغط لتغيير المحدّدات والدليل التحريري لمؤسّساتهم، الذي غالباً ما استُوحِي من الوكالات الدولية التي ثبت انحيازها وتورطها في تبرير الإبادة. ومن هذه المقترحات:
- دوام التذكير بصفة "المطلوب للجنائية الدولية" عند ذكر اسم مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، ووصفه بـ"رئيس حكومة الاحتلال" لا "رئيس الوزراء الإسرائيلي".
- وصف ما يجري في غزة بالإبادة لا الحرب ولا عمليات عسكرية، فليس هناك جيشان بل جيش مدجج يواجه مدنيين محاصرين.
- تسمية أي فعل مقاوم بـ"المقاومة الفلسطينية"، بوصفها فعلاً مشروعاً ضد الاحتلال.
- إدراج وصف "مجرم الحرب" عند ذكر نتنياهو أو أيٍّ من وزرائه المتورطين.
- استخدام مصطلح "المجوَّعون" لا "الجوعى"، إذ إنّ التجويع فعل متعمّد من الاحتلال وليس كارثة طبيعية.
- العودة لمصطلح "الكيان"، فهذا كيان استعماري مصطنع لا دولة طبيعية.
- التأكيد على أن المقاومة حق مشروع وفق كل القوانين الدولية، والتحرّر من الخوف الذي زرعه الإعلام الغربي عبر وصمها بالإرهاب.
- رفض ترديد رواية الإعلام العربي المطبّع أو الغربي المنحاز التي تلقي بالمسؤولية على الضحية. المسؤول الأول عن الإبادة هو الاحتلال الإسرائيلي وحليفته الولايات المتحدة، ثم بعض الأنظمة العربية الصامتة أو المتواطئة، وأخيراً المجتمع الدولي الذي سمح بالمقتلة.
- التذكير بأن فلسطين محتلة منذ 1948، وأن المجازر متواصلة منذ 77 عاماً وليست وليدة السابع من أكتوبر.
- توضيح أن غزة لا تتجاوز 1 إلى 1.5% من مساحة فلسطين، ومع ذلك يلاحق المحتل مليوني فلسطيني محاصرين منذ 18 عاماً على هذه البقعة الصغيرة بعد أن سلب 99% من الأرض.
وأخيراً، كل من يُقتل في مواجهة هذا المشروع الصهيوني الاستعماري الفاشي النازي الجديد هو شهيد، شاء من شاء وأبى من أبى.