جزيرة الفلاسفة
وأنا أبحث مؤخّراً في فيديوهات الفيلسوف الإنكليزي، برتراند راسل، المُتاحة على يوتيوب وقعت على تصريح طريف يقول فيه إنّ التدخين لم يُقصّر حياته، وإنّما، على العكس من ذلك، أنقذها في إحدى المرّات. يقول راسل إنّه طلب في إحدى سفرياته بالطائرة مقعداً في مقصورة المدخنين (كان ذلك مسموحاً وقتها)، لكن خللاً تقنياً أوقع الطائرة في البحر. وفي حين غرق معظم الركّاب، فإنّ ركّاب مقصورة المدخنين قد نجوا (بحسب راسل)، واستطاعوا الخروج من الطائرة الغارقة والسباحة إلى خليج النرويج القريب.
استوقفني حوار راسل لدفاعه الطريف عن التدخين بأسلوب تهكّمي مُصرِّحاً بأنه دخّن الغليون لمدّة سبعين عاماً تقريباً، مُشكّكاً بالدراسات العلمية (الأقرب إلى منهج راسل وطريقة تفكيره) المختصّة بمضار التدخين على الصحة وخطره على الحياة. وحين سأله المحاور إذا ما فكّر، وهو يسبح لينجو، بالأسئلة الفلسفية والصوفية في الموت. يجيب الفيلسوف، إنّ كلّ ما كان يفكّر فيه وقتها هو برودة المياه.
بدوري، كُنت أنتظر، مثل الصحافي الذي ألقى على راسل السؤال، جواباً فلسفياً في مواجهة خطر الموت، لكن برودة الماء جمّدت التأمّل الفلسفي على ما يبدو. ولأنّي أريد جواباً فلسفياً على الحادثة، فقد تخيّلت عدداً من الفلاسفة كانوا على متن طائرة سقطت بهم في جزيرة عذراء مجهولة، ولم تفلح جهود البحث عنهم في العثور على مكانهم. فكان عليهم أن يعيشوا على الجزيرة ويبنوا مُجتمعاً ودولة عليها من الصفر. ساعدني على مشروعي التخيلي هذا استحضار فيلم "البداية" (1986) للمخرج الكبير صلاح أبو سيف ومن بطولة أحمد زكي ويسرا وجميل راتب وعدد من فناني مصر. يصوّر الفيلم مجموعة مسافرين تسقط طائرتهم في الصحراء المصرية، ويكون عليهم تأسيس دويلة صغيرة عليها.
تُستبعد الكفاءات والشخصيات الوطنية لحساب الولاءات وتتراجع حقوق الناس
في فلمي التخيّلي هذا، جعلت مسافري الطائرة المنكوبة مجموعة من المسافرين، من بينهم عدد من الفلاسفة، منهم توماس هوبز وجان لوك وجان جاك روسو ويورغن هابرماس في محاولة لتصوّر ما كان يمكن أن يقترحوه، بناء على نظرياتهم وأفكارهم، لو وجدوا أنفسهم على جزيرة مقطوعة، ومضطرين بالتالي للعيش فيها معاً وتأسيس دولة هناك من الصفر.
أعتقد أنّ هوبز، وفي تأمّله في "الوضع الطبيعي" الذي وُجدوا فيه معاً فجأةً، من دون قانون ولا سلطة، سيجد أنّ الأمر خطير جداً. فقريباً سيجوع سكان الجزيرة الجُدد، وهذا سيحوّلهم إلى ذئاب مُتحاربة على الطعام والموارد وحيازة أراضي الجزيرة والسلطة. ولهذا لا بُدّ من أن يتولى، وبسرعة، شخصٌ واحد من بينهم (قد يقترح هوبز قائد الطائرة الناجي حاكماً للجزيرة) ليحكم الجميع بشكل فرديّ مُطلق. فيضع القوانين التي تضمن أمنهم وأمانهم، ويكون هو من يحدّد حصصهم من الطعام وواجباتهم في طاعته واحترام قوانين الجزيرة المُطلقة، التي سيكون شعارها "الأمن مقابل الحرية".
لا شك أنّ آراء هوبز ستُثير اعتراض العديد من الفلاسفة الناجين. وسيأخذ جون لوك بعده الحديث مُبتدئاً بالاعتراض على فكرة هوبز التي سيعتبرها خطيرة، والتي تصوّرهم مجموعة من الذئاب المُتقاتلة، كما لو كان البشر مجرّد حيوانات مُفترسة في غابة من دون عقل وضوابط أخلاقية. قد يقول لوك المُتفائل بالطبيعة البشرية لزملائه الناجين من تحطّم الطائرة، إنّهم جميعاً عقلاء وأصحاب مبادئ، وهم قادرون بالتالي على التفاهم حول شروط حياتهم على الجزيرة بما يضمن حقّ كلّ فرد منهم بالتملّك والحياة بحرية نسبية يضمنها القانون الذي يتوافقون عليه. سيقترح لوك كذلك انتخاب لجنة تعمل على حلّ النزاعات وإدارة شؤون الجزيرة، ويظلّ لسكان الجزيرة الحقّ في مراقبتها ومحاسبتها، وسيقترح شعاراً للمكان الجديد: "جزيرة لليبرالية والديمقراطية".
عاش الغرب في الدولة المطلقة لزمن قبل أن يثور عليها لينتقل إلى الدول الديمقراطية والبرلمانية الحديثة
وفي حين يعترض هوبز على هذا الطرح الذي سيعتبره مثالياً جداً وغير واقعي، فإنّ تصفيق روسو وهابرماس سيمنح لفكرة لوك شرعية ودعماً.
بعد لوك سيأخذ روسو الكلام بنقد طرح هوبز بشدّة والإشادة بفكر لوك لكنّه سيتجاوزه بالتفاؤل، ليقول إنّ ما حصل لهم شيء إيجابي تماماً وحادث رائع، حيث ستسمح لهم الطبيعة البكر بالتخلّص من التشوّهات التي ألحقها بهم العيش ضمن المجتمعات. سينظر روسو إلى هوبز ويقول له: "ربما تشاؤمك حول الطبيعة الإنسانية ناتج عن ظروف الحرب الأهلية الإنجليزية، لكن الإنسان، يا أخي الطيّب، هو طيب بطبيعته، وهي فرصة فريدة لنا، الآن وهنا، لنُعيد اكتشاف أنفسنا على الجزيرة". ثم سيلتفت إلى لوك ويقول له: "أعجبني طرحك جداً، لكني لا أتفق معك في الإصرار على حقّ الملكية الخاصة، فهي مصدر كلّ شر، وهي ما قد يفتح باب عدم المساواة بيننا. فلتكن الجزيرة لنا جميعاً، ولنمنع أيّ شخص من تسوير أيّة قطعة منها واعتبارها ملكية خاصة به". سيقترح روسو على الحاضرين الاجتماع يومياً تحت شجرة جوز الهند الكبيرة للتصويت على الاقتراحات التي يقدّمها الجميع وسيكون شعاره للجزيرة: "المجتمع الطبيعي هو الدولة والقانون".
من بين جميع الحضور سيقف هابرماس مُصفّقاً، بقوّة وبحماس، لأفكار روسو، ويجد أنّ من واجبه تطويرها وجعلها أكثر واقعية عملياً. سيؤكّد هابرماس على فكرة روسو في تساوي الجميع من دون تمييز، وسيصادق على فكرة لوك حول أنّ الجميع عقلاء وقادرون على حلّ مشاكلهم بشكل عقلاني، لكنه سيؤكّد أنّه لتحقيق ذلك لا بُدّ لهم من أن يتناقشوا بشكل دائم حول شكل الدولة التي يريدون أن يقيموها على الجزيرة بحيث يمتلك الجميع حرية الكلام وإبداء الرأي والاعتراض داعياً إلى أنّ يكون شكل الدولة حصيلة لنقاشاتهم التي ينتهون إليها لا فكرة مُسبقة توجّه أفكارهم. سيؤكّد هابرماس كذلك فكرة روسو في النقاش الدائم تحت شجرة جوز الهند للحديث بلغة بسيطة مفهومة حول المشاكل التي يمكن أن تعترض عيشهم المُشترك وسبل حلّها توافقياً، بحيث يصبح ميدان الشجرة مكاناً عاماً للحوار والنقاش العام وسيقترح شعاراً للجزيرة: "ميدان الديمقراطية العقلانية القائمة على النقاش والتفاهم".
تشبه سورية اليوم طائرة مُحطّمة سقطت على جزيرة، وصار لزاماً علينا أن نبني الجزيرة من الصفر تقريباً
بعد أن سرحت بفيلمي التخيلي حول جزيرة الفلاسفة، تأمّلت في واقع الدول. ففي الغرب تتجسّد أفكار لوك وروسو وهابرماس وآلاف المفكّرين والحقوقيين وعلماء الاجتماع في مؤسّسات وأنظمة وقوانين. بينما تسود أفكار هوبز في الصراع أكثر في العلاقات بين الدول وصراعها على المصالح وثروات الأرض. عاش الغرب أفكار هوبز في الدولة المطلقة لزمن قبل أن يثور عليها لينتقل إلى الدول الديمقراطية والبرلمانية الحديثة. استحضرت من جديد فيلم "البداية" وكيف استغل "نبيه بيه"، الذي لعب دوره الفنان الراحل جميل راتب بقية ركاب الطائرة الناجين بمسدسه وخبثه وجبروته، لكن التهديد والإقصاء والقبضة الأمنية والفساد في السلطة دفع بقية الركاب، يقودهم عادل، الذي لعب دوره الفنان أحمد زكي، إلى الثورة على تلك السلطة.
تذكّرت كذلك بلدي (سورية)، الذي يشبه طائرة مُحطّمة سقطت على جزيرة، وصار لزاماً علينا أن نبني الجزيرة من الصفر تقريباً، لكن للأسف تسير الأمور هناك وفق السيناريو الذي تصوّره هوبز حول الاقتتال والحرب الأهلية والاستئثار بالسلطة والثروة والارتجال، وتُستبعد الكفاءات والشخصيات الوطنية لحساب الولاءات، وتتراجع حقوق الناس لصالح "نبيه بيه" والمقرّبين منه. صرّح صلاح سيف حول فيلمه مرّة قائلاً: "حاولت أن أقدِّم فيلماً خيالياً ولكنني وجدته يأخذ شكلاً من واقع الحياة...". وفي نهاية الفيلم ينجح عادل، الفنان والمثقف، الذي يمثّل صوت الوعي والفن والتحرّر في حشد الناجين من ركاب الطائرة المنكوبة لتحرير جزيرتهم من الفساد والمحسوبية والخضوع. وعندها فقط تكون البداية، أي إن نهاية الفيلم هي البداية. في انتظار بداية جديدة تليق بجزيرتنا التي نريد لها أن تكون موطناً للعدالة والمساواة يسودها القانون والحوار والتوافق وشخصيات تذكرنا بعادل الفنان لا بنبيه بيه وجماعته.
أفكّر في تلك البلدة/ الجزيرة التي تحكّمت طائرة الركّاب فيها، حيث يجري تقريب أصحاب الولاء وصانعي المحتوى والمطبّلين، واستثناء أصحاب الكفاءات بدلاً من الحوار المجتمعي والمساواة والمواطنة، هناك حيث يجري تحريض مكوّنات الجزيرة على بعضهم البعض، محوّلين وواضعين الجميع في حرب مع الجميع.