تصوّرات مفهوم الشعر بين الفكرين العربي واليوناني

07 نوفمبر 2025
+ الخط -

هل الشّعر حكْرٌ على العرب؟ كثيراً ما نتداول عبارة "الشّعر ديوان العرب" على اعتبارها تمثيلاً للعلاقة الوثيقة بين العربي والشّعر، لكنّ الاتصال بالشّعر بناءً على رؤيةٍ عامّةٍ له على أنه "فنٌّ إنسانيٌّ عتيق"؛ يضاعف التّساؤلات حول علاقة جماعات أخرى بالشّعر، ويعقِد مقارنات بين تصوّرات الشعر في فكر الجماعات.

تعددت كتب النقد العربي القديم التي تناولت الشّعر العربي وما يتعلق به في عناوين مألوفة، في باب فضل الشّعر، أورد كتاب العمدة لابن رشيق القيرواني عنواناً مختلفاً، وهو "قيّد اليونان علومهم بالشّعر" انبثق عنه قول ابن رشيق: "ومن فضائله أن اليونانيين إنّما كانت أشعارهم تقييد العلوم والأشياء النفيسة والطبيعية التي يخشى ذهابها، فكيف ظنك بالعرب الذي هو فخرها العظيم وقسطاسها المستقيم" من هنا، يوسع ابن رشيق الآفاق؛ لعقد مقارنة بين التّصوّرات المنبثقة عن مفهوم الشّعر بين الفكرين العربي واليوناني.

لا شعر دون شاعر؛ لذا من الصّواب التّطرق إلى منتج الشّعر أولاً. الشّاعر عند ابن رشيق هو من يشعر بما لا يشعر به غيره، وفيه جملة من السّمات، قال فيها: "فإذا لم يكن عند الشاعر توليد معنى ولا اختراعه، أو استظراف لفظ وابتداعه، أو زيادة في ما أجحف فيه غيره من المعاني، أو نقص مما أطاله سواه من الألفاظ، أو صرْف معنى إلى وجه عن وجه آخر؛ كان اسم الشاعر عليه مجازاً لا حقيقة، ولم يكن له إلّا فضل الوزن"، أمّا الشّاعر عند أرسطو، فهو "المّحاكي"، الذي يتعدى سمة النّظم، قال: "لقد جرت العادة على أنّه إذا ما وضعت مقالة منظومة في الطّب، أو العلوم الطّبيعية، أن يسمّى ناظمها شاعراً. مع أنّه لا يوجد وجه شبه مشترك بين هوميروس وأمبدوكليس غير استعمال الوزن والعروض، ومن ثمّ، يكون من الأصوب أن نسمي أولهما شاعراً، أمّا الآخر فيصدق عليه اسم العالم الطّبيعي".

يلتقي التصوران في نقطة اختلاف الشاعر عن الناظم، فليس كل نظم شعراً، ولكن، ينفي أرسطو اسم الشاعر عن الناظم، بناءً على "الموضوع" أو (ما يُحاكى) ليطلق اسم الشاعر على هوميروس (صاحب الشعر الملحمي المتمثّل بالإلياذة والأوديسة) دون أمبدوكليس (صاحب شعر الطّبيعة المتمثّلة بالعناصر الأربعة: النّار، الهواء، الماء، التّراب)، نفي أرسطو أمبدوكليس من دائرة الشعراء؛ يتّصل بتجاوز محاكاة أرسطو نقل الواقع/ الحقيقة لتصل إلى إعادة الخلق الفني للواقع، و"الطبيعة" من الموضوعات المجرّدة التي لا تقبل إعادة الخلق الفني، والمحاكاة "mimesis" باليونانية: προσομοίωση، بوصفها إعادة خلق فني للواقع/ الحقيقة تتناقض مع سمة "اختراع معنى".

يتفرّد الشّعر بمجموعة من العناصر، أطلق أرسطو عليها "عناصر المحاكاة"، وهي في تصوّره: المادة، الموضوع، الأسلوب. أمّا ابن رشيق، فالشعر عنده يتطلب النية أولاً، ثم يقوم على: اللفظ، الوزن، المعنى، القافية. "المادة" كما أرادها أرسطو تقابل "الوزن" و"القافية" و"اللفظ" عند ابن رشيق. و"الموضوع" أي (ما يحاكى) يقابل "المعنى". من هنا يتفرّد أرسطو بذكر "الأسلوب" في بَندٍ مستقل؛ إذ يلحق الموضوعات التي يتّكِئ عليها التراث الشعري اليونانيّ، وهذه الموضوعات تختلف عن المعاني والمضامين التي اتّكَأ عليها التراث الشّعريّ العربيّ، بعبارة أخرى مع التمثيل: الاعتناء بالأسلوب، يلحق الملحمة التي تصاغ بشكل سرديّ، أي أسلوب السّرد.

يجسّد الشّعر، لكونه مادة/ لغة، معارف الجماعات التي تتلفظ به، أو "العلوم" على حدّ تعبير ابن رشيق، في عنوان "قيّد اليونان علومهم بالشّعر"، من هنا يجرى الانتقال من "النّص" إلى حياة "منتج النّص"؛ فتعكس المضامين شيئين محورين: الفكر والبيئة. تناول أرسطو، تبعاً للمضامين، أربعة أنواع من الشعر مثّلت التراث الشعريّ اليونانيّ، وهي: الشّعر الملحميّ بدءاً من هوميروس في "الإلياذة والأوديسّة"، الشّعر التراجيديّ، الشّعر الديثرامبي (الغنائي)، الشعر الكوميدي. أمّا ابن رشيق، فتناول أضعاف الأنواع المقسّمة تبعاً للمضامين، فتوسع ذكره لشعر النّسيب، والرّثاء، والافتخار، والمديح، والهجاء، والاعتذار، والعتاب، والوعيد... إلخ

يمكن الاستدلال على أثر وقع الشّعر العربي في النّفوس من المضامين التي توسّع ابن رشيق فيها، مثلاً: هناك من الشعر ما تلين له النفوس، كالرثاء، والنسيب، والعتاب. وهناك من الشعر ما تشتدّ به النفوس، كالافتخار والمديح. أما أرسطو، فقد جعل أثر وقع الشّعر في النّفوس في "التّطهير".

ردّ تاريخ الفكر الإنساني كل غريب يتعثّر تأويله إلى عالم آخر، ولِحَوْمِ الماهية العلميّة والكيفيّة الفلسفية حول مفهوم "الإلهام" دون وضع تصورات واضحة ومحددة حوله؛ نسب الفكران (العربي واليوناني) مصدر إنتاج الشّعر إلى عوالم أخرى.

أورد النقد العربي في مصادره تصوّر "شياطين الشّعراء"، أو "شعراء الجن" في إشارة إلى استيراد الشّعر من الجن والشياطين، ذكر ابن رشيق في العمدة أنّ جريراً غلب "شياطين الشعراء". أمّا أرسطو في "فن الشّعر"، فقد أورد في مصادره تصوّر "ربّات الشّعر"، أي الإناث من الآلهة الإغريقية التي تسيّر إنتاج الشّعر، ذكر أرسطو في فن الشّعر استفتاح شعراء اليونان ملاحمهم بالابتهال إلى ربّات الشّعر.

تعود مواضع الالتقاء والافتراق بين الفكرين (العربي واليوناني)، في التّصوّرات المنبثقة عن مفهوم الشّعر بناءً على التأمّلات الأخيرة في كتابي العمدة وفن الشّعر، إلى تحقق فرض أنّ الشعر "فنٌّ إنسانيٌّ عتيق"، ناتج عمّن هو محاط ببندين محورين، هما: الفكر والبيئة.

لاحقاً، مع ذروة حركة الترجمة والفتوحات، تجلّت ملامح ظاهرة التلاقح الثقافي بين الفكرين في الشّعر والنّقد، وظهرت معايير نقدية جديدة، وموضوعات شعرية جديدة. لكنّ البناء الشّعري العربي لم يدخل في دائرة التّجديدات؛ فالشعر اليوناني لم يترجم، رأى الدكتور إحسان عباس أن السبب في ذلك، كما جاء في كتابه "ملامح يونانية في الأدب العربي"، أن العرب رأوا في شؤون الشعر ما يميزهم عن سائر الأمم، أما الجاحظ في "الحيوان"، فرأى السبب في عدم إمكانية ترجمة الشّعر.

في نهاية الأمر، غير ممكن جعل الشّعر حكراً على العرب، ولكن، يعمد ابن رشيق إلى الإعلاء من مكانة الشّعر في الفكر العربي عن مكانته في الفكر اليوناني، في مجمل قوله: "فكيف ظنك بالعرب الذي هو فخرها العظيم وقسطاسها المستقيم".

سارة بلاطية
سارة بلاطية
مدونة وكاتبة مُهتمة بالنّقد والرواية. مُلتحقة بقسم اللغة العربيّة في جامعة النّجاح الوطنيّة؛ بغرض دراسة اللغة بشكلٍ عام والنّقد والرواية بشكلٍ خاص. تعبّر عن نفسها بالقول "أَشْعَلتُ قِنْديلِي مُبكِّرًا؛ لأبحثَ عن السّراديبِ التي سَتَتَّسِعُ لِلُغْزِ التّأويل ومُرافعاتِ المعنى".