الماء والكهرباء وشرعية الدولة: كيف تختبر موجات الحر مؤسسات تونس؟
في ذروة الصيف، لم تعد موجات الحر في تونس تُقاس فقط بما تسجله موازين الحرارة، بل أيضًا بما تفرضه من ضغوط على الحياة اليومية للمواطنين. فمع الارتفاع القياسي في درجات الحرارة خلال الأيام الأخيرة، شهدت عدة مناطق اضطرابات في إمدادات الكهرباء والمياه، لتتحول الظاهرة المناخية إلى اختبار لقدرة المرافق العمومية على الاستجابة لواقع يزداد تعقيدًا عامًا بعد آخر. وأعادت هذه التطورات إلى الواجهة أسئلة تتعلق بجاهزية البنية التحتية، وإدارة الموارد، ومدى استعداد المؤسسات العمومية لمواجهة أزمات مناخية باتت أكثر تكرارًا.
وتأتي هذه التطورات في وقت أصبح التغير المناخي واقعًا يفرض تحديات متزايدة، خصوصًا في منطقة البحر الأبيض المتوسط. وفي الحالة التونسية، تجاوز النقاش الأسباب المباشرة للانقطاعات ليصل إلى قضايا أوسع تتعلق بالأمن المائي والطاقي، وبقدرة الدولة على ضمان الخدمات الأساسية في ظل تحولات مناخية واقتصادية متسارعة.
موجات الحر… حين تختبر البنية التحتية
أصبحت موجات الحر من أبرز مظاهر التغير المناخي في منطقة البحر الأبيض المتوسط، حيث ترتفع درجات الحرارة وتتزايد فترات الجفاف والظواهر المناخية المتطرفة. وتكمن خطورتها في الضغوط التي تفرضها على الخدمات الحيوية، وفي مقدمتها الماء والكهرباء، مع ارتفاع الاستهلاك إلى مستويات قياسية خلال أشهر الصيف (تموز/ يوليو وآب/ أغسطس).
وفي تونس، تزامنت موجة الحر الأخيرة مع ارتفاع كبير في الطلب على الكهرباء والمياه، في وقت تواجه البلاد تحديات هيكلية في قطاعي الطاقة والموارد المائية. فإنتاج الكهرباء يعتمد بنسبة تقارب 94% على الغاز الطبيعي، بينما لا تتجاوز نسبة الاستقلالية الطاقية نحو 34%، وهو ما يزيد من هشاشة المنظومة أمام ارتفاع الاستهلاك وتقلبات أسواق الطاقة.
أما على مستوى المياه، فقد أدت سنوات الجفاف المتتالية إلى ضغوط كبيرة على السدود والمخزون المائي، ورغم التحسن النسبي الذي شهدته بعض السدود هذا العام، فإن الواقع المناخي المتقلب يجعل من كل صيف اختبارًا جديدًا لمنظومة المياه.
وتبرز، في هذا السياق، الحاجة إلى تحديث شبكات الإنتاج والتوزيع، وتنويع مصادر الطاقة، وتعزيز قدرة البنية التحتية على الاستجابة لفترات الذروة، بما يحد من تكرار الاضطرابات ويعزز استقرار الخدمات.
الخدمات الأساسية… حين يُختبر العقد بين الدولة والمواطن
تُقاس قوة الدولة الحديثة بمؤسساتها وقوانينها، كما تُقاس بقدرتها على ضمان استمرارية الخدمات الأساسية التي يقوم عليها انتظام الحياة اليومية. فالعلاقة بين الدولة والمواطن تتجسد في وصول الماء إلى المنازل، واستمرار التيار الكهربائي، وعمل المستشفيات، وانتظام المدارس ووسائل النقل، وهي خدمات تمثل أحد أهم معايير تقييم الأداء العمومي.
وفي الأدبيات السياسية المعاصرة، برز مفهوم "شرعية الإنجاز" الذي يربط مشروعية الدولة بقدرتها على إدارة الشأن العام بكفاءة، والاستجابة لحاجات المواطنين، وتقديم خدمات مستقرة وذات جودة. ومن هذا المنظور، يصبح الماء والكهرباء أكثر من مجرد مرفقين عموميين، فهما يعكسان مدى فاعلية الدولة وحضورها في الحياة اليومية.
وفي تونس، أعادت موجة الحر الأخيرة هذا النقاش إلى الواجهة. فمع اضطراب إمدادات الكهرباء والمياه في عدد من المناطق، لم ينحصر اهتمام المواطنين في أسباب الانقطاع، وإنما امتد إلى التساؤل حول مدى استعداد المؤسسات لمواجهة أزمات أصبحت أكثر تكرارًا.
ولا تتوقف آثار تعثر الخدمات الأساسية عند حدود الانزعاج اليومي أو الخسائر الاقتصادية، بل تمتد إلى المجالين السياسي والاجتماعي. فعندما تعجز الدولة عن ضمان خدمات حيوية بصورة منتظمة، تتآكل تدريجيًا الثقة التي يقوم عليها العقد بينها وبين المواطنين. وفي مثل هذه السياقات، تصبح الاحتجاجات أكثر قابلية للتوسع، وتتزايد مشاعر الإحباط، بما يفتح المجال أمام التوتر والانفلات الاجتماعي. فالدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على سن القوانين، بل أيضًا بقدرتها على أداء وظائفها الأساسية والحفاظ على انتظام الحياة العامة.
كما تمتد آثار هذه الاضطرابات إلى المستشفيات والمؤسسات التعليمية والمصانع والمحلات التجارية، بما ينعكس على النشاط الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي. وتؤدي الانقطاعات إلى خسائر مباشرة نتيجة تعطل الإنتاج والخدمات، وهو ما يجعل استمرارية الماء والكهرباء عنصرًا أساسيًا في تحسين مناخ الاستثمار، إلى جانب كونهما من مقومات الحياة اليومية.
ومن هنا، فإن الاستثمار في الخدمات الأساسية لا يمثل مجرد خيار تنموي، بل يعد استثمارًا في الاستقرار السياسي والسلم الاجتماعي. فكلما نجحت الدولة في ضمان انتظام هذه الخدمات، تعززت الثقة بمؤسساتها، وازدادت قدرتها على احتواء الأزمات.
من إدارة الأزمات إلى بناء الأمن المائي والطاقي
إذا كانت موجة الحر الأخيرة قد كشفت بعض مواطن الهشاشة في المرافق الحيوية، فإنها تفرض في الوقت نفسه إعادة التفكير في إدارة قطاعي الماء والطاقة. فالتحدي لم يعد يقتصر على تجاوز فترات الذروة خلال الصيف، بل أصبح يتمثل في بناء سياسات قادرة على التكيف مع واقع مناخي أكثر تقلبًا.
وأصبح الأمن المائي والأمن الطاقي مرتبطين بصورة وثيقة. فالكهرباء ضرورية لاستخراج المياه وضخها ومعالجتها، بينما تمثل المياه عنصرًا أساسيًا لاستمرار النشاط الزراعي والصناعي والاقتصادي، وهو ما يجعل التخطيط المتكامل بين القطاعين ضرورة استراتيجية.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تسريع الانتقال نحو نموذج طاقي أكثر تنوعًا واستدامة. فبينما تعتمد تونس بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي، تمتلك في المقابل إمكانات واعدة في مجال الطاقة الشمسية، يمكن أن تسهم في إنتاج الكهرباء، وتشغيل محطات تحلية مياه البحر، وضخ المياه إلى المناطق الداخلية، بما يعزز الأمنين المائي والطاقي ويخفف من التبعية الطاقية.
غير أن نجاح هذا التحول يتطلب تحديث البنية التحتية، والحد من الفاقد في شبكات الماء والكهرباء، وإرساء سياسات تشجع الاستثمار في الطاقات المتجددة. فالتحدي لا يكمن في توفر الإمكانات فحسب، وإنما في القدرة على تحويلها إلى حلول عملية تضمن استقرار الخدمات وتعزز استقلال البلاد على المدى البعيد.
الخاتمة
تكشف موجات الحر المتكررة أن التحدي الذي تواجهه تونس لم يعد يقتصر على مواجهة ارتفاع درجات الحرارة، بل أصبح مرتبطًا بقدرة الدولة على ضمان الخدمات الأساسية التي يقوم عليها الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. فالماء والكهرباء لم يعودا مجرد مرفقين عموميين، بل يمثلان أساس الثقة بين الدولة والمواطن. كما أن تعثرهما بصورة متكررة لا ينعكس على الحياة اليومية فقط، بل قد يوسع فجوة الثقة، ويغذي الاحتقان الاجتماعي، بما يجعل الأمن المائي والطاقي جزءًا من الأمن الوطني.
فإذا كان القرن العشرون قد قاس قوة الدول بقدرتها على حماية حدودها، فإن القرن الحادي والعشرين يقيسها أيضًا بقدرتها على ضمان وصول الماء والكهرباء إلى مواطنيها، حتى في أشد أيام الصيف حرارة. وفي عالم يتسارع فيه أثر التغير المناخي، سيكون نجاح الدول مرتبطًا بقدرتها على الاستعداد للأزمات، وبناء مؤسسات أكثر كفاءة ومرونة وصمودًا.