الامتحان الأخلاقي للنخب

01 يوليو 2026
+ الخط -

لا تُقاس وطنية النخب بما ترفعه من شعارات، ولا بما تُنتجه من خطابات ثقافية، بل بقدرتها على الانحياز إلى العدالة حين تصبح العدالة مُكلفة. فالمثقف والفنان والأديب والحقوقي والأستاذ الجامعي لا تُكتسب شرعيتهم من مكانتهم الاجتماعية أو رصيدهم الأكاديمي، وإنّما من استعدادهم لتحمّل مسؤولية الدفاع عن الإنسان، أيّاً كانت هُويّته القومية أو الدينية أو المذهبية أو السياسية. ومن هنا، يصبح التفكير بسورية الجديدة مشروعاً أخلاقياً وسياسياً قبل أن يكون انتماءً جغرافياً، لأنّه يقوم على اعتبار أنّ كلّ ظلم يقع على أيّ جماعة سورية هو قضية وطنية تخصّ جميع السوريين والسوريات من دون استثناء.

ويطرح تاريخ الدولة السورية الحديثة، ولا سيما خلال عقود حكم حزب البعث العربي الاشتراكي، سؤالاً فلسفياً بالغ الجدية حول طبيعة النُخب التي تشكّلت في ظلّ هذا النظام. فهل كان هناك نخب سورية بالمعنى الوطني السوري الجامع واللاهوياتي، أم أنّ جزءاً كبيراً منها ظلّ يتحرّك ضمن إطار قومي عربي وإسلامي جعل قضايا المكوّنات السورية خارج دائرة الأولويات؟

لا يستهدف هذا السؤال إصدار أحكام نهائية، بقدر ما يسعى إلى مراجعة التجربة السياسية والثقافية في ضوء معيار أخلاقي واحد، هو مدى الدفاع عن حقوق جميع السوريين والسوريات بلا تمييز.

على سبيل المثال تعرّض الكُرد في سورية، خلال عقود طويلة من حكم حزب البعث القومي العربي، لسياسات تمييزية موثّقة، شملت الحرمان من الجنسية لفئات واسعة، والتضييق على اللغة والثقافة، ومشروعات هدفت إلى إعادة تشكيل البنية الديمغرافية في المناطق الكردية من خلال توطين العرب في مناطقهم، إضافة إلى القيود المفروضة على النشاطين السياسي والثقافي، واعتبار أفراد الشعب الكردي في سورية مواطنين من الدرجة الآخيرة. ورغم أنّ هذه الوقائع كانت معروفة لدى قطاعات من النخب الفكرية والفنية والثقافية والحقوقية السورية التي ادّعت الوطنية السورية، فإنّ حجم الأصوات التي واجهتها بصورة علنية ظلّ محدوداً جداً ونادراً مقارنة باتساع دائرة الصمت أو الاكتفاء بالنقد الجزئي الذي لم يلامس جوهر السياسات القائمة. ولا يمكن تفسير هذا الواقع بعامل واحد، إذ تداخلت فيه اعتبارات الخوف من القمع، والرقابة الأمنية، وهيمنة الخطاب القومي، إلى جانب حسابات شخصية ومؤسساتية جعلت كثيرين يفضّلون السلامة على المواجهة.

تراجعت فكرة المواطنة المتساوية أمام اعتبارات الهُويّة والانتماء

ولا يعني ذلك أنّ الساحة السورية خلت من شخصيات دفعت ثمناً باهظاً نتيجة مواقفها؛ فقد وُجد مثقفون وحقوقيون وناشطون سعوا إلى الدفاع عن الحريات العامة وعن حقوق مختلف السوريين، لكنهم ظلّوا يمثلون استثناءً أكثر من كونهم تياراً واسعاً قادراً على إعادة تشكيل الوعي الوطني. كما أنّ بعض الفنانين والأكاديميين عبّروا، في مراحل مختلفة، عن مواقف نقدية تجاه الاستبداد، غير أنّ حضور قضية الكرد وغيرها من قضايا المساواة، لم يحتل دائماً المكانة التي تستحقها ضمن خطابهم العام.

ومع اندلاع الحرب السورية عام 2011 ومروراً بتخلي بشار الأسد عن الحكم، ثمّ المجازر والاستهدافات التي ارتُكبت بحقّ العلويين والدروز والكرد والمسيحيين... ، دخلت النُخب امتحاناً أكثر تعقيداً. فقد انهارت كثير من المسلّمات السابقة، وانقسم المثقفون بين اصطفافات سياسية وإيديولوجية حادة، وغلب على عدد كبير منهم الدفاع عن الجماعة التي ينتمي إليها أو التي يعتقد أنها تمثّل مشروعه السياسي. وفي خضم هذا الانقسام، تراجعت فكرة المواطنة المتساوية أمام اعتبارات الهُويّة والانتماء، وأصبحت مواقف عديدة تُبنى وفق قرب الضحية أو بعدها عن الانتماء الفكري أو القومي أو الطائفي أو المُموّل لصاحب الموقف. وهنا فقدت النخبة بمختلف انتماءاتها في حالات كثيرة، استقلالها الأخلاقي، وتحوّلت إلى امتداد للصراع بدلاً من أن تكون قوّة نقدية تُسائل جميع الأطراف.

فقدت النخبة استقلالها الأخلاقي، وتحوّلت إلى امتداد للصراع بدلاً من أن تكون قوّة نقدية تُسائل جميع الأطراف

 لا يمكن بناء سورية جديدة بناءً على انتقائية الحقوق أو تجزئة العدالة. فلا يجوز الدفاع عن ضحية وتجاهل ضحية أخرى، ولا إدانة الاستبداد حين يستهدف جماعة معينة والصمت عنه حين يصيب جماعة أخرى، ولا التبرير لمجزرة وإدانة أخرى. فالحقوق لا تُقاس بعدد المنتمين إلى جماعة ما، ولا بقدرتهم على فرض حضورهم في المجال السوري العام، وإنّما بكونها حقوقاً إنسانية ووطنية غير قابلة للتصرّف.

ولذلك، فإنّ أيّ نخبة تدّعي تمثيل الضمير الوطني السوري المُطلق مطالبة بإعادة النظر في إرثها الفكري والسياسي، وبممارسة نقد ذاتي صريح يعترف بما جرى من تقصير أو صمت أو تبرير. فالنقد الذاتي ليس إدانة للذات، بل شرط لإعادة بناء الثقة بين السوريين، وهو الطريق الذي يسمح بولادة ثقافة سياسية جديدة تتجاوز الإرث الإقصائي الذي أسهم في تعميق الانقسامات.

إنّ مستقبل سورية الديمقراطية الذي لم يتعيّن بعد، لن يُبنى بمجرّد تغيير السلطة أو تبديل النخب، بل بإعادة تأسيس فكرة الوطن على قاعدة المساواة الكاملة بين جميع المواطنين، من دون أفضلية لأكثرية أو انتقاص من حقوق أقلية. فالوطن لا يكتمل إلا حين يشعر كلّ فرد بأنّ كرامته مصونة، وأنّ قضيته هي قضية الجميع، وأنّ العدالة لا تتبدّل بتبدّل الهُويّات. وعندها فقط يمكن الحديث عن نخب سورية بالمعنى الوطني الحقيقي؛ نخب ترى في الدفاع عن أيّ مظلوم سوري واجباً أخلاقياً ووطنياً، وتدرك أنّ الحقوق لا تقبل القسمة بين أكثرية وأقلية، لأنّ الوطن الذي تُجزّأ فيه العدالة والحقوق والواجبات والأخلاق، يفقد أحد أهم الأسس التي تمنحه شرعيته واستمراره.