اقتصاد الثكنات: هل يمكن "فطم" العسكر عن السياسة والمال؟

26 ديسمبر 2025
+ الخط -

تظل العلاقة بين "البذلة العسكرية" و"القميص المدني" في العالم العربي هي العقدة الأكثر استعصاءً في منشار التحول الديمقراطي منذ عقود. فبينما يُفترض بالجيش أن يكون الحارس الأمين لحدود الوطن، تحوّل في كثير من الدول العربية إلى "فاعل سياسي واقتصادي" مهيمن، ما جعل سؤال الديمقراطية سؤالاً مؤجلاً بانتظام، أو مجرد ديكور خارجي لأنظمة تتحكم فيها المؤسسة الأمنية في الخفاء. إن عملية "فطم" العسكر عن السياسة ليست مجرد ترف فكري أو طموح حالم، بل هي عملية جراحية ضرورية لاستعادة مفهوم "الدولة"، وتتطلب استراتيجيات طويلة الأمد تتجاوز مجرد الهتاف في الميادين لتصل إلى عمق بنية السلطة والمال.

تبدأ أولى خطوات هذا "الفطم" بتفكيك الإمبراطوريات الاقتصادية العسكرية التي تضخمت بشكل مرعب. ففي الأنظمة السلطوية، لا يستمد الجيش قوته من السلاح والعتاد فقط، بل من امتلاكه شركات الإنشاءات ومزارع الصناعات الغذائية ومصانع الأجهزة الكهربائية التي تعمل غالباً خارج إطار الموازنة العامة للدولة وبعيداً عن أعين الرقابة الضريبية. هذا "الاقتصاد الموازي" يخلق طبقة من "الجنرالات المستثمرين" الذين يمارسون السياسة ويقاومون التغيير ليس دفاعاً عن عقيدة وطنية، بل حمايةً لأرصدتهم البنكية وامتيازاتهم الطبقية. لذا، فإن أي تحول حقيقي يمر حتماً عبر "مدنية الموازنة"؛ أي إخضاع كل قرش ينفقه أو يربحه الجيش لرقابة البرلمان المنتخب، وهو ما يمثل ذروة التضحية بالنسبة للعسكر، لأنه يجردهم من استقلاليتهم المالية ويجعلهم "موظفين" في الدولة لا "شركاء" في ملكيتها.

وعند الحديث عن الأساليب، نجد أنها تتطلب مزيجاً معقداً من "البراغماتية الصارمة" و"الإصلاح الهيكلي للقوانين". تخبرنا تجارب دول مثل تشيلي والبرازيل أن القوى المدنية اضطرت في بدايات التحول لقبول معادلات "الخروج الآمن"، التي تضمنت منح حصانات مؤقتة لبعض قادة الجيش ضد الملاحقة القضائية مقابل انسحابهم الكلي من القرار السياسي. وعلى الرغم من مرارة هذا الثمن أخلاقياً، إلا أنه كان "ثمناً للسلام الاجتماعي" لتجنب "خيار شمشون" حيث يميل العسكر لحرق البلاد وتدمير الدولة إذا شعروا بتهديد وجودي لمصالحهم. لكن هذا التنازل يجب أن يسير بالتوازي مع بناء "نخبة مدنية" خبيرة في شؤون الأمن والدفاع لكسر احتكار العسكر معلومات الأمن القومي، مع تعزيز "الاحترافية الموضوعية" التي تقنع الضابط الصغير بأن شرفه العسكري يكمن في تطوير الجاهزية القتالية، لا في إدارة المخابز أو رئاسة البلديات.

أما عن مقدار التضحية، فالحقيقة المرة التي تؤكدها دروس التاريخ هي أن العسكر، بحكم بنيتهم الهرمية ونزعتهم نحو السيطرة، لا يتخلون عن السلطة طواعيةً أو عبر صناديق الاقتراع وحدها. التضحية هنا تتخذ شكلين: الأول هو الصمود الشعبي أمام آلة القمع في اللحظات الانتقالية، والثاني، وهو الأهم، هو "النضج السياسي" للكتلة المدنية. فالعسكر غالباً ما يجدون طريقهم إلى القصور الرئاسية عبر "أبواب الخلافات المدنية"؛ ففي اللحظة التي تستقوي فيها الأحزاب بالجيش لإزاحة خصم سياسي أو أيديولوجي، فإنها تمنح المؤسسة العسكرية "صك ملكية" الدولة على طبق من ذهب. إن "الفطم" الناجح يتطلب من المدنيين الاتفاق على قواعد لعبة ديمقراطية لا تسمح بإقحام السلاح في الخلاف الفكري.

هذا "الاقتصاد الموازي" يخلق طبقة من "الجنرالات المستثمرين" الذين يمارسون السياسة ويقاومون التغيير ليس دفاعاً عن عقيدة وطنية، بل حمايةً لأرصدتهم البنكية وامتيازاتهم الطبقية

وبالنظر في التجارب الإنسانية الملهمة، نجد أن كوريا الجنوبية قدّمت نموذجاً فذّاً؛ حيث استغرق "الفطم" عقوداً من الاحتجاجات الطلابية والعمالية الدامية، لكنها انتهت بمحاكمات تاريخية لجنرالات الانقلابات السابقين بتهم الفساد والخيانة، ما غرس في العقيدة العسكرية الكورية رادعاً قانونياً جعل فكرة التدخل في السياسة "انتحاراً" لا مغامرة. وفي المقابل، نجد "ثورة القرنفل" في البرتغال عام 1974، التي أثبتت أن الإصلاح قد ينبت من داخل المؤسسة العسكرية نفسها، حين أدرك الضباط أن استنزاف الجيش في حروب عبثية وحكم سياسي فاشل أدى إلى اهتراء معنويات الجندي وضياع هيبة البدلة العسكرية.

في الختام، يظل السؤال في العالم العربي ليس "متى يرحل العسكر؟" بل "كيف نبني دولة يكون فيها القانون أقوى من الرصاصة؟". إن الديمقراطية لا تهدف إلى إضعاف الجيش أو إهانته، بل إلى حمايته من لوثة السياسة وأطماع المال، ليعود إلى مكانه الطبيعي؛ قوةً رادعةً على الحدود تحت إمرة قيادة مدنية منتخبة. وبينما تظل التكاليف باهظة من دماء واستقرار، فإن البديل هو البقاء في زنزانة "الحكم السلطوي" التي لا تخرج منها الشعوب إلا إلى دول فاشلة أو حروب أهلية مدمرة.

دلالات
سمير الخالدي
سمير الخالدي
كاتب صحفي وإعلامي تونسي يهتم بالشأن المغاربي والعربي والأوروبي وقضايا المجتمع المعاصر.